وداعا السمكرجي الجميل ....خضر حسين خليل | منتديات الراكوبة

وداعا السمكرجي الجميل ....خضر حسين خليل

الموضوع في 'الحوار العام' بواسطة باسط المكي, بتاريخ ‏يوليو 19, 2016.

الوسوم: إضافة وسوم
  1. باسط المكي

    باسط المكي :: كاتب نشـط::

    إنضم إلينا في:
    ‏أكتوبر 5, 2010
    المشاركات:
    90
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    6
    وداعا السمكرجي الجميل ....!
    منغمسا في انغماستي الصباحية في مدينة ملئوها الوحشة والظنون أطالع أحوال البلاد والعباد من خلال اختلاسات اختلسها بين الفينة والأخري لأقرأ ما تجود به الاسافير ... علي الماسنجر رسالة تحمل ما تحمل من آلام الأرض لا أدري كم أخذت من الوقت أطالع محتواها لأفهم ما يحدث حولي من فوضي .
    بحركة لا ارادية أغلق الهاتف ولكأني بذلك أعيدك يا صاحبي لضفاف الحياة .... أغلق الهاتف ولكأنك لا ترقد في تلك اللحظة في ثلاجة أبرد من الموت وأمل كبير يحدوني بأنني أقدم لك ساعتها دفئا إفتقدته في ليلة الموت تلك . ثم كيف واجهت الموت براك كده يازول هوووي ؟
    متمددا كأجمل ما تكون الفجيعة أطالع صورتك المبذولة في الأسافير ذات الجسد النحيف ... ذات الطريقة الماكرة في البحث عن دفء ... أبلغ الظن أننا تمرنا علي تلك الطريقة من قبل .
    أطالع كما الآلاف حكاية لاجئ سوداني اختطفه الموت علي رصيف بارد في ليلة قاهرية أمام دار القضاء فيا للنهايات الرمزية يا صديق حتي وأنت في حضرة الموت تتخير أمكنة الإحتجاج أغلق الهاتف ولكأنك غير المعني .
    لكن من يحكي للناس حكاية السمكرجي ابن الطبقة العاملة من يحكي للعالم المتضامن معك الآن حكاية الشاب الذي لفظ القهر والظلم والجبروت وعمل ما بوسعه لأجل وطن يمشي فيه الخير الي جانب العدل والسلم ثالثهم .
    من يحكي عنك سوي أقسام الشرطة والمنشورات الليلية وورش السمكرة وأصدقائك الجنوبيين والشعر المجنون وأغنيات مصطفي وكورال أب شنب والولد محمود عبدالعزيز .
    أطالع صورتك التي تتخطفها الأسافير ... لاجئ سوداني يدعي محمد احمد سليمان (دكة) هكذا التقطك العالم علي عجل وما علينا .
    أطالع صورتك وأغلق الهاتف .. أغلق الموت ياصاحبي .. فاتحا بذلك جرحا جديدا . وعائدا بخطوات العمر لسنوات طويلة مضت دون أن يشعر به أحد .
    20 ديسمبر 2015
    عن عمر يناهز ال 34 عاما توقف قطار الحياة ليلوح شاب في غاية الأناقة للعالم وينزل بهدوء بعد ان خاض معركته الشرسة علي سنوات عمره القصيرة من أجل حياة كريمة لشعبه
    جاء للحياة من أسرة أرضعته الشموخ ورفض الظلم ونكران الذات قبل أن ترضعه حليب الأمهات .
    فيما كان أقرانه يجلسون علي كنب المدارس كان يعمل بكد وإخلاص بعد أن غادر الصفوف الدراسية في مرحلة مبكرة من عمره ليساهم بما يستطيع في توفير لقمة العيش الكريم لأسرة عنوانها العفة .
    ما أن شب الفتي قليلا حتي اتجه لتعلم صنعة ليصبح في فترة وجيزة أشهر سمكرجي جنوب الخراطيم .
    في ذات الأثناء بدأت أسئلة الحياة تضج داخله ... آفاق جديدة وجريئة تفتحت كازهاير الربيع في رأسه ليقرر ذات صحو نبيل الالتحاق بصفوف الحزب الشيوعي السوداني ماضيا بذلك في درب وعر نسج دربه بالدم ولعالع الرصاص والكبرياء والنضال الذي لا نهاية له .
    ليكون عضوا فاعلا من اعضائه وقارئا نهما ليصبح في وقت قصير نموزجا للمثقف الثوري المنتمي للوعي صدقا لا منجهة يعي ما يدور في أضابير بلاده ومنحازا للكادحين والفقراء وأبناء السبيل .
    قلق كبير كان يعتريه علي الدوام علي مستقبل الفقراء والكادحين ... علي لبن بلاده المسكوب في فضاءات الإحتراب
    الجوع والفقر ... النازحين ... سنوات البطش والتنكيل ... اصطياد المناضلين من الأزقة والحواري ليلا .... بكاسي التسعينات والصالح العام والتشريد الذي أطل في سماوات الاسر السودانية لمجرد أن لا علاقة لهم بدولة الأبارتيد التي جاءت لتعيد صياغة وجدان السودانين .. أزمنة السقوط ... والفشل الذريع ... الأزمنة الحبلي بكل ما هو بشع وخارج عن المألوف ... الأزمنة التي أفتقد فيها الناس لقيم كانت تمشي بينهم من مروءة وأخلاق وشهامة عرفو بها .
    من كل هذا النزيف خرج دكة للحياة يحدوه أمل كبير في تحقيق ثورته الوطنية ... في التغيير الذي ظل ينشد نبته طوال سني عمره القصيرة .
    نفض عن نفسه غبار الإحباط ومضي في طريق طويل باحثا عن وطن قرر سدنته تحويله لمدينة يؤمها الغراب ويعيش في جنباتها الأشباح .
    وما بين الحياة والأمنيات خطوات كبيرة تمضي ... لتمضي أنت في اتجاه تحقيق ما لم يكن بالإمكان تحقيقه في خرائب البلاد الكبيرة . لم تلتفت كعادة المسافرين وانت تشق جموع الهاربين من لظي الوطن .
    مستقيما كنت تعدو ... الآن تترك كل شئ وراءك ... قبور والديك وشقيقك ... أشقاؤك ... هالة حبيبتك .... أختك التي كلما حكيت عنها حلقت عصافير الحب من عيناك . اصدقاؤك ... ورشة السمكرة تقاطع ودالباشا ... بقالة حمتو بصنقعت ... مدينتك التي لطالما احببتها ... فرع حزبك ... عمود ناس صفوت صلاح ... تورا بورا بالقطعيه ... جنينة عمنا عباس ... غناء أشرف حسن ونحن حوله كما النوارس ... التظاهرات .... الحرقة التي تنتاب عيناك جراء الغاز المسيل للدموع . السوق العربي بضجيج شحاديه ... مواصلات صنقعت ... بنات الثانوي في صباحات الكلاكلة ... فول عمك بحر ... طعمية ابو ظريفة ... ميدان وردي ... ليالي الفرح التي لطالما انتشيت بها وانت ممد في عنقريب هبابي تتابع حركة النجوم ... الجواليص ورائحة روث البهائم ... خريف البلاد المحفز للمكر ... كلما غيمت تلك البلاد ياصاحبي .
    كل ما مضي تتركه وراءك وتمضي قافزا بخطوك كمن يلاحق الظبي .. تمضي ولا تلتفت .
    عمر طويل من العدو في ملاحقة المستحيل وحين تلامس كل ذلك تمضي مرة أخري ... ترمي المنديل ... ترمي جسدك النحيل المرهق في رصيف بارد ثم تنام ... ترمي احلامك ... جواز سفرك ... هويتك التي صعب علي الكثيرين التعرف عليها
    من يقول لهم الآن انك ابن الأحلام المؤجلة ... ابن الجوع والفقر والكرامة ... ابن الرياح التي تهب في عصاري البلاد ... ابن الهمبريب من يدلهم الآن أنك ابن اوجاع الﻷرض والدروب الدامية ... من يقول لهم الآن أنك ابن كل ذلك .
    لترقد روحك في سلام ولتنام ياصديقنا العظيم في هدوء وليمض العالم الي ضجيجه فقد نام دكة نومته الأبديه .
    خضر حسين خليل
     

مشاركة هذه الصفحة