نبذه : عن عميد الفن الاستاذ أحمد المصطفى

عزيزوغالي

:: كاتب نشـــط::
#1
عميد الفن الفنان احمد المصطفي

نشأ في قرية الدبيبة . حفظ القران و جوده و انشد المدائح النبوية و الابتهالات الدينية . ترك الدبيبة متجها الي الخرطوم في بداية الاربعينات حيث ربطته اواصر الصداقة مع الوسط الادبى و الثقافى فى الخرطوم و خاصة اسرة ابو العلا و الشاعر سعد ابو العلا . اشاد به كرومة و اعجب به سرور و قدم ثلاثتهم اسكتش غنائي صور سينمائيا كان يتم تقديمه بدور العرض السينمائية بالخرطوم اواسط الاربعينات . اتي احمد المصطفي باسلوب فني جديد و مدرسة حديث اعتمدت ايقاعات جديدة يختلف عن الحقيبة لكنه يتغذي منها . الفنان احمد المصطفى كان دقيقا فى اختيار كلماته و الحانه مما جعل اعماله خالدة و تتناقلها الاجيال .. استطاع ان يكسب حب و تقدير جمهوره لاكثر من خمسين عاما و يعود ذلك الي دفء و جمال ادائه و دماثة اخلاقة التى جمعت الناس حوله و جعلته رمزا للفن الاصيل الراقى . من اغانيه ذات الالحان المتطورة و الجديدة سفري السبب لي عناي و ما احلي ساعات اللقاء و نحن في السودان . قام بتوظيف الالات الغربية مثل الساكسفون و الفلوت و الكلارنيت و البيكلو فى العديد من اعماله الفنيةالشاعر الذى إرتبط بأغانى أحمد المصطفى هو الشاعر حسن عوض أبو العلا وليس سعد أبوالعلا وهما أبناء عمومه وبدأ الأول كتابة الشعر بعد إصابته بكسر بالسلسه الفقريه بمنطقة الرقبه والشلل الرباعى لأطرافه الأربعة وذلك إثر توقيت خاطئ فى القفز مع علو الموج على شاطئ الاسكندريه فى أيام الحرب العالميه الثانيه أثناء فترة إجازة حسن بعد أن أكمل دراسته الثانويه بمصر وفى إنتظار ظهور النتائج لمعرفة مكان قبوله للمرحلة الجامعيه بمصر أو إنجلترا وكان منافسه وليم عطيه إبن إدوارد عطيه وهو أستاذ كبير بكمبردج أو لندن فى السبعينيات وكان حسن طالباً متفوقاً ومبرزاً وجاء قدومه للإسكندريه تلبية لرغبة إبن عمه سعد والذى كان يُدير أعمال شركات أبوالعلا بمصر وطلب من حسن مرافقته لقضاء جزء من الاجازة بالاسكندريه وذلك قبل عودتهم للسودان ... وكانت أولى محاولات حسن هى قصيدة( سفرى) وكان يحكى فيها حاله مثلما كانت أغنياته الباقيه مثل غرام قلبين ووين ياناس حبيب الروح وقربو يحنن ولاحت بشائر العيد وأنا الوحيد حيران وأيام وليالى وحرام يازازا وأعتقد أن زازا هى محبوبته التى تغنى من أجلها وغالباً هى إبنة عمه .... جاءت محاولة حسن الأولى فى شكل رساله أرسلها مع سائقه لأحمد فى الشركه وكان حسن مبتدئاً فقام باشكاتب الشركه وإسمه على قيلى وهو أكثر ضلاعة بالعربيه بعمل القافيه وإعادة صياغة الكلمات وترتيبها فى صورة الأغنيه الحاليه وقام أحمد بتلحينها وتقديمها فى نفس اليوم فى حفل على المسرح القومى بأمدرمان ولحُسن الصدف طلب المرحوم خانجى والذى كان وقتها ميراً للاذاعه طلب من أحمد تسجيلها على جهاز تسجيل جديد وصل للاذاعه فى ذلك الوقت .... ولما أثارته الكلمات فى إعادة ذكرى الحادثة الأليمه وسط أهل حسن ...طلبوا من أحمد وقف التغنى بها ....وتركها أحمد قرابة السنه ...إلى أن جاء مامون بحيرى وسعد أبوالعلا من لندن وفى لقائهم بأحمد وسؤالهم عن أحوال حسن ومعرفة قصة القصيده الأولى وصدى سماعها عند العامه وأهل حسن ..طلب مأمون وسعد من أحمد سماع الأغنيه وكان التسجيل الوحيد الباقى لها هو على جهاز خانجى الذى كان يرددها يومياً إلى أن حفظها عن ظهر قلب ....طلب الأخيران من أحمد مواصلة تلحين كل كلمات حسن مستقبلا وتعهدا أن يقوما بدورهما بإقناع أهل حسن بأن المخرج لحسن من محنته هو فى كتابة الشعر والذى سيدخل به عضواً فاعلاً فى المجتمع ... وهنا كانت قصة حسن وأحمد وذاك القصد النبيل الذى أفرز هذا الكم الهائل من القصائد الخالده الباقيه حتى يومنا هذا ... هاهي الذكري السادسة لرحيل عميد الفن السوداني قد مرت علي عجل ... فكان تاريخ الثلاثين من أكتوبرمن عام 1999م يحمل في سجلاته توقيع العميد بالرحيل مستجيباً لنداء الرفيق الأعلي .. وأهل السودان وبما جبلوا عليه من تراث الوفاء لرموزه المبدعة في شتي المجالات وبمختلف سحناتهم وإنتماءاتهم وقبائلهم وأعراقهم وبرغم تعقيدات ثقافاتهم المحلية العديدة فأننا نراهم متفقين علي أن فن الغناء السوداني قد عمل علي توحيد أمزجتهم المعروفة بالتقلب الكثيف. وكرمز إبداعي ورقم إجتماعي ضخم فإن الراحل المقيم أحمد المصطفي قد قام بترسيخ أجمل مفردات الغناء الذي كتبه العديد من الشعراء في وجدان هذا الشعب ، ذلك .. أن أحمد المصطفي وبإبتسامته الجاذبة الولوفة تجعلنا نحترم ونقدر ونثمن هذا الإرث الغنائي عالي التطريب منذ فتحت الإذاعة السودانية في بدايات أربعينيات القرن العشرين أجهزة صوتها لينطلق صوت أحمد المصطفي عبر الأثير ، ليعبر الفيافي وليخترق ريف بلادنا وسهولها ووديانها الواسعة .. ليخاطب خيال هذا الشعب بحلو الغناء الذي يبعث علي حب الوطن: نحن في السودان ... نهوي أوطانا وإن رحلنا بعيد .. نطري خلانا فقد ظل أحمد المصطفي وطوال مسيرته الفنية التي تجاوزت نصف القرن من الزمان يغرد ويغرد ويشجي ونطرب له ، فقد عاش العشاق أزمنة ترقب جميلة وهم يرددون عبر المذياع: القربو يحنن ... والبعدو يجنن الهين ولين .. وديع وحنين... شغل بالي هواه هوايا.. وشوفتو دوايا جميل بس آية.. حكايتو حكاية... شغل بالي نعم .. من منا لم يعش نداوة هذا اللحن بمفرداته البسيطة وبموسيقاه الراقصة ، كنا والله نرددها ونحن في عمر الطفولة الباكرة نجري ونلعب وننطط ، ونترنم بها ( القربو يحنن والبعدو يجنن). وفنان في مثل قامة أحمد المصطفي .. حري بنا أن نعيد تدارس مسيرته ونعقد لها المنتديات ويشارك فيها المختصون من أهل الموسيقي والتأليف ومن شعراء الأغنية ، لأن كل أغنيات أحمد المصطفى تحكي حكايات وحكايات.. وتسرد تاريخ جميل من فن الغناء السوداني الحديث ، لأن أحمد المصطفي قد صبر وصبر وصبر وإجتهد إلي أن أحدث نقلة عالية المقام في مسيرة الأغنية فجعل للإنية وللفنان السوداني قيمة ومعني ومبني ومكانة رفيعة في المجتمع. فقد تعامل عميد الفن مع العديد من الشعراء ، إلا أن الراحل (الجاغريو) وهو المكتشف الأول لموهبة إبن أخته أحمد المصطفي بقرية الدبيبة بشرق النيل الأزرق ببحري قد كان له القدح المعلا في إيصال الأغنية الطروبة عبر صوت مطربنا ذي البحة المميزة والمحببة حقا في كل غنائه.. فإنهمرت مفردات وألحان الجاغريو التي كم كان أحمد يخاطب بها أبناء شعبه: بنت النيل بكل زخم جمال ظبية المسالمة بأم درمان التاريخ ...ياحبيبي أنا فرحان .. فرحان بيك .. اريت يدوم هنانا .. وقد قيلت بمناسبة زواج مطربنا .. والهادية راضية أنا مابخونها .. وهي تحكي عن دحض الإشاعة التي إنتشرت عن زواج ثاني لمبدعنا .. فكان لابد أن يعبر عنها الجاغريو شعرا ولحنا لتموت الإشاعة في مهدها ( حسب الروايات القديمة). وكيف ننسي الوسيم القلبي رادو .. الجمال حاز إنفرادو ، تلك الرائعة التي كتبها المعلق الرياضي الأكثر شهرة وإبن بيت المال الراحل طه حمدتو .. صاحب أرقي التعليقات لمباريات كرة القدم منذ خمسينيات القرن الماضي. غير أن الإنحياز لقضايا الشعب والوطن والتعبير عن اشواق أهل السودان في نيل الحرية من ربقة الإستعمار قد كان من أوجب إهتمامات العميد ، فهاهو في عز سطوة الإستعمار يأتي من القاهرة بنصين وطنيين كتبهما الشاعر الراحل الضخم عبدالمنعم عبدالحي الذي ترك السودان وهو طفل صغير لينشأ ويترعرع مع أخيه الأكبر بقاهرة المعز إلي أن فارق الدنيا في ذات عام رحيل أحمد المصطفي 1999م ، حيث ظل العميد برغم رقابة قلم المخابرات البريطانية بالخرطوم ينشد للشعب: أنا أم درمان مضي أمسي بنحسي.... قد وفتاي يحطم قيد حبسي.. وأخرج للملأ في ثوب عرسي... وأهمس والوري يعلن همسي... فيا سودانُ إذ ما النفس هانت... أقدم للفداء روحي بنفسي فترددها الجماهير وتتناقلها الألسن .. ليردفها العميد بالأخري: لي غرام وأماني .. في شموخك ومجدك.. عشت يا سوداني وتستمر المسيرة ويجمع أحمد المصطفي كل أهل الفن ليؤسس مع زملائه المبدعين من مطربين وموسيقيين إتحاد الفنانين للغناء والموسيقي ، ويجتهد عميد فننا ليرسي دعائم هذا الصرح العتيد علي ضفاف نيل أم درمان الخالد ( دار إتحاد الفنانين للغناء والموسيقي ) ، ليشمخ أحمد المصطفي أكثر وأكثر أمام أعين زملائه وأمام كل أجهزة الإعلام في بلادنا. ونحن إذ نعيد القليل والقليل جداً من ملامح مسيرة هذا الرقم الإبداعي الضخم ( أحمد المصطفي) فإننا لازلنا نجزم بأن عميدنا كان يمثل لنا كل إرث أهل السودان وتسامح أبنائه عبر القرون الماضية، فقد كنا نري في أحمد المصطفي كل صفات شعب السودان الجميلة برغم تقاطعات بعض الظروف البالغة القسوة التي سادت حياة شعبنا الإجتماعية بماتركته من عادات سالبة ، إلا أننا نظل علي يقين بأن ذات القيم الإجتماعية الجميلة ستعود وتسود حتما ذات يوم بذات ألقها وإشراقها الرائع . ونختتم هنا برائعة عميد الفن الراحل والذي لن ننساه ما حيينا .. فهو الذي كان ينشد بها لنا دوماً: ( حاولت أنساك ... وقلبي زاد في جروحو .. وريني كيف ... الحي بودع روحو ) ونسأل الله الرحمة والمغفرة لعميد فننا.
 
أعلى أسفل