مَنَافِي الْعُشْبِ | منتديات الراكوبة

مَنَافِي الْعُشْبِ

الموضوع في 'الرواية والقصة القصيرة' بواسطة عبد الناصر ميرغني, بتاريخ ‏يونيو 11, 2016.

الوسوم: إضافة وسوم
  1. عبد الناصر ميرغني

    عبد الناصر ميرغني :: كاتب نشـــط::

    إنضم إلينا في:
    ‏مايو 6, 2011
    المشاركات:
    300
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    18
    سعيدة هي –يا ليلى- الفراشات , تحيا عمرها برقَا , ترحل وهالات الجمال ما تزال نابضة في خفق أجنحتها , وسحرها يتوهج في مرايا العيون أطيافا من قوس قزح , وبعيدة هي الأغنيات التي كانت وعودا تتكئ عليها محطات انتظاري : " أنتَ ظلي , وأنا ظلك , شمسنا واحدة , وإلى قمر واحد تتصاعد أحلامنا كصلوات راهب ؛ لتهطل أمطارا من الصباحات الرائعة , تسقي حقولا من الأطفال والقمح والياسمين " .
    وحين تأوي إلى مغاراتها النجوم المتوحدة في دندناتها الضوئية , ويمحو الفضاء المتصحر مداراتها , حين تغادر الطيور المغردة إلى شواطئ الأرجحات المفتوحة , نستفيق من دفء أحلام الربيع أسرى , أسرى في التنهدات التي تطلق في الغرفِ المظلمة شتاء ؛ لتهوم تحت السقوف , كفراشات وحيدة أنكرتها الورود , أسرى في المنعطفاتِ التي ترمي بنا إلى الفراغ واحتضان ظلالنا وراء الأشجار صيفا , وموت الأحلام والرؤى والانكسار خريفا .
    أسرى في الخطى التي تسرقها المدن الملعونة , مجنونة بوصلاتنا , نضيع في صدى كهوف الغول , كخفافيش ترن في رؤوسها آلاف الأجراس , أسرى في المدن التي تلدنا أيتاما ؛ لنكبر عبيدا , ونموت ضحايا ؛ لتقيم لنا التماثيل والأعياد في الحدائق التي تسكنها الجرذان , كلنا يا ليلى أسرى , أسرى في الأحلام التي انكمشت بردا وتشرخا , كلافتات العناوين القديمة , أسرى في القصائد التي كتبناها ؛ لتبقى حبيسة الأوراق المكورة , تنشج مهجورة في الزوايا , و أسرى لتلك التي لم نكتبها .
    ونرحل حين تزجرنا أراجيح الطفولة نحو المنافي الجديدة, حيث تنفتح أمامنا صحارى الثلج والرماد, ونبكي كثيرا على الطائرات الورقية التي كنا نطلقها ؛ لتحلق كالعصافير , نحو سماء أكثر حنوا وزرقة , تحمل نبضاتنا وأحلامنا , وأسماء الأطفال الآتين على وعد بالدفء , والمدرجات المفروشة بالعشب الناعم , ثم تسرقها الريح العابثة .
    وها أنت تحلقين بطائرتك بعيدا , تعانقين قدرا يعاندني , وتطاردين حلما يلفظني , وأعود من المطار شريدا ؛ لأبقي أسيرا في الدروب التي ستنكرني وحيدا , لأبقي أسيرا للعيون التي ستهزمني منكسرا , للكلمات التي سترشقنى شوكا .
    وها أنا -يا ليلى- أتشرد أسيرا لغيلان تسكن في العتمة , وشتاء مجنون يرسل قهقهاته في الرياح , الحافلة أسيرة الطريق الذي يبدل ثيابه مع الفصول , ويبقى وجهه كالحا , وصدره لا ينبض , وتموت أشجاره صامتة , كصور نسجت عليها العناكب في سراديب مهجورة , السائق أسير المطبات وحشرجات المحرك , وأغنيةٍ ميتة ترددها شفاه مخدرة بالملل, سكرى بخمر اللا جدوى , وحزن التسكع بين أشجار المستنقعات , الرجل في البدلة الأنيقة أسير حساباتٍ لا تستجيب , وعمرٍ ضاع في متاهات خطوط الكنتور , صعودا مع الدخان , ونزولا مع الأحجار المتدحرجة في المنحدرات المجنونة , المرأة العجوز أسيرة حنين لأغصان حملتها الريح بعيدا , تاركة شذي يُدَوِّخُ , وذكريات تتواثب كنجوم في سماء ترتج .
    جارتي أسيرة كتاب مدرسي مفتوح , وذكريات حفلة الأمس , وعينا حبيب يغازل صمتا من البعيد , وقلب رَسَمَتْهُ بالحناء على كف بضة دافئة , وأنا أسير للنزف المتواتر , كنقرات الماء المتساقط من سقف مشروخ , لوجيب لحظات الوداع , لدمعتين تجمدتا , وقلب أكتم نباضاته في عنف وعناد , فينكمش أسيرا , يقاوم برد الشتاء , والهوة الممتدة على مدى الطريق .
    جارتي تتأمل وشم القلب في كفها تتصاعد منه رائحة الحناء , وتتنهد , الدمعة تنسال من عيني , بلون الشفق الذي يحتضن الطائرات التي تمضي في اتجاه واحد , وقلبي ينبض بقوة أسيرا للألم , يتمرد , يقاوم , ينزف , يرتج احتضارا , يسقط في كف جارتي , تمتد يدي راعشة خلفه , والوجع في صدري يتصاعد , أمسك بقلبي بقوة , تصرخ جارتي , فتتفجر كل البراكين مرسلة حميمها في كل الأتجاهات , تسرع الأيدي نحوي بالصفعات واللكمات والركلات , تدفعني خارج الحافلة , أسقط على الرصيف , ووجهي ملتصق بالأرض , كحلم لزج ملفوظ .
    أمامي بين بلاطتين تنبت عشبتان , تقفان متوازيتين , تحدق إحداهما في الأخرى في أسر الصمت , تهب النسمة من اليمين فتميلان يسارا , وتهب من اليسار فتميلان يمينا , قدران متوازيان .
    جود دائم ‏07‏/12‏/2015
     

مشاركة هذه الصفحة