ميرغني النقي «من وحي الهوى»

ا

ابو نمر

Guest
#1
**************
عينانِ كاحلتانِ، ثغرٌ باسمٌ
والوجهُ – عزّ الوصفُ – بدرُ تمامِ
خدانِ من فلقِ الصباحِ تحجبا
خُصلاً كليلِ حالكِ الإظلامِ
شفتانِ أندى من الزهورِ وبسمةٌ
سحريةٌ في رقةِ النسَّامِ
والصدرُ دعك فلا البيانُ بواصفٍ
ما قد رأيتُ ولا المقامُ مقامي
هرمانِ منتصبان ويلي منهما
يغتالني صمتي وأخشى كلامي
والخصر حين تناغمت خطواتها
سجد الفؤادُ لريشة الرسامِ
أنستني طلعتها وبسمة ثغرها
عند اللقاءِ مرارةَ الأيامِ
فوقفتُ مأخوذ الفؤادِ محدقاً
والفكر مثل الجائب الهوَّامِ
نفسي تساءل نفسها في حيرةٍ
وفؤادي يسبقها إلى استعلامي
أتراني في صحوٍ!، أتلك حقيقةٌ!
أنا لا أصدّق ما أراه أمامي
فسألتها في خشيةٍ فتبسمت
وتلطفت في ردّها استفهامي
تركيةٌ أنتِ؟، وهذا ردها
كلا وعمرك من ربوع الشامِ
الشامُ! رددها الفؤادُ مصفقاً
وتراقصت لسماعها أحلامي
وتساءلت نفسي لعّل وربّما
يا للغرورِ دعوني في أوهامي
وقفتْ تطالعني كقارئ لوحةٍ
عزّت مخارجها على الإفهام
وترددتْ حيناً وأفرج ثغرها
عن بسمةٍ، وبهمسة النمَّام
من أين أنت؟ ومَنْ تكون تساءلتْ
فأجبتها والدمعُ غيثٌ هامي
من حيثُ لا أدري أتيتُ محمّلاً
بهمومِ نفسي وصبوتي وغرامي
لا شيء يذكرُ في حياتي ولا أنا
كالناسِ يذكرني صدى أيامي
في عالمِ اللذاتِ عشتُ كزاهدٍ
لا باختياري ولا أنا بعصامي
وقطعتُ عمري في الحياةِ كراهبٍ
بإرادة الجبارِ واستسلامي
لا الطيرُ يسجعُ في رياضي ولا أنا
بالقفرِ يطربني هديلُ حمامِ
أنا شاعرٌ ما قال بيتاً واحداً
وقصائدي غضبٌ وجرحٌ دامي
حطمتُ أسناني جميعاً عندما
حاولتُ يوماً أن أفكّ لجامي
فلمستُ حينها في العنادِ متاعبي
وظننتُ – عفواً – في الخضوعِ سلامي
فركنتُ لليأس المميت منفذاً
حكم الليالي عليّ بالإعدامِ
لكنّني لمَّا شددتُ ركائبي
ونشرتُ نحو ربوعكم أعلامي
في فرصةٍ لا أدري كيف أتاحها
زمنٌ يسابق بعضه لخصامي
أبصرتُ أحلامي تهبُّ من الردى
لتعانق المجد البعيد السامي
يا مَنْ دحرتِ ظلامَ يأسي وخشيتي
وملأتِ من خمر المحبة جامي
وسكبتِ وحي هواكِ في قلمي الذي
يخشى نزاله ربُّ كلِّ حسامِ
ويهابه الطاغوتُ – وهو مكبّلٌ -
ما روّعَ الطاغوتَ كالأقلامِ
لا تظلميني كما ظُلِمتُ من الأولى
حكموا عليّ فجاروا في الأحكامِ
قالوا قرأنا قصيده فكأننا
في شعره نمشي على الألغامِ
لا الكأس ناديةً وجدنا وما به
غير السمائم والهجير الحامي
كفوا الملامَ فما أنا من وصفكم
يا من ترون الصدق من آثامي
يا من يظنّ الشعر كأس مدامة
ورنين أوتارٍ وهزّ قوامِ
كم غازلت روضي الطيور وغردت
غض الزهور وكل غصنٍ نامي
وغدا الكناري على لساني مغرداً
وتستر الشحرورُ في هندامي
أما إذا ضرب الجفاف رياضنا
وأتى الخريفُ ومرّ دون غمامِ
وخمائل الروضِ الأغن تكسرت
أغصانها والزهر في الأكمامِ
وطغى اليبابُ على الروابي كما طغى
مُتمدداً بقفاره مُترامي
ومشت رياح القهر في أحلامنا
وأتى الزمانُ بمعول الهدّامِ
فالبلبلُ الصدّاحُ يصبح لحنه
غصص الكليمِ ودمعةَ الأيتامِ
يا مَنْ رمتني سهامها في مقتلٍ
عند اللقاءِ وأخطأتها سهامي
لا تسأليني من أنا ما كنيتي
من هم ذوو نسبي ومن أرحامي
أو تطلبي حسبي فليس بمنقصي
حسبٌ ولا أنا في سمائه سامي
أنا ابن أفكاري وسيد موقفي
وإذا نقصتُ ففي هواكِ تمامي
حورية العينين ليتك تعلمي
إن الذي سوَّاك يا إلهامي
ما كان قصده أن تكوني وإنما
قد شاء حينها أن يكون هيامي
فكسا الحياءُ جبينها وتلطفت
عند الوداعِ تفيض في إكرامي
ومضت لوجهتها وظل خيالها
مثل السرابِ وفعله بالظامي
ما كنتُ أعلم عندما قابلتها
إني وجدتُ طريقي للآلامِ​
 
أعلى أسفل