ميرغني النقي «الامس واليوم وغدا»

ا

ابو نمر

Guest
#1


الأمس واليوم وغداً
بالأمس عندما حضرت منقولاً من القضارف للخرطوم للعمل بها، وجدت فوَّالاً اسمه صديق، هو ملاذ الموظفين والعمال في وجبة الفطور حتى نهاية الشهر، وحتى أدخل إلى طيات ذلك الدفتر بالطريقة التي تمنحني الأفضلية ساعة الزحام وحفظ حقوقي عند التأخر، حتى أضمن ذلك أتيت بهذه الروشتة التي جعلها المغلوبون على أمرهم حجة في تناول الفول في كل الأوقات وكأنها رسالة باحث أو وصية عالم أو نصيحة طبيب.
********************
قلْ للذي جعل الكباب فطوره
متهكماً بالفولِ في استهجانِ
الفولُ يا مغرور أرخص قيمة
وأخفُّ ضرراً من لحوم الضانِ
فإذا ظفرت بسندوتش فضمه
بالأيدي والشفتين والأسنانِ
وارحم حياتك من كبابٍ ربما
جلب الأذى للجيب والمصرانِ
(صديقُ) إني قد أتيتك جائعاً
وأكاد أفقد للجوى إيماني
فامنن عليّ بسندوتش وافتدي
روحي بفولك يا أخو الأخوانِ
واصبر عليَّ فإنني في حالةٍ
كلْما ذكرتها ضاعفت أحزاني
والجيبُ إن عرف القروش فإنما
يوم المواهي، فقط لبضع ثواني
*********
واليوم بعد أن من الله عليّ فتيسر الحال بفضله وحططت رحالي بمدينة دمشق فجذبتني روائح المشويات وأدخلتني مطاعم الذوات وأجلستني إلى موائد الفروج والكباب والكبد وهلمجرا مما لذّ وطاب، كتبت إلى رفاق الأمس بهذه النصيحة التي جلبت إليّ سخطهم وصبت عليّ غضبهم حتى رموني بأقبح الصفات ونعتوني بما لم تنعت به الحشرات، ولم يجد الاعتذار مع من يرى أن مقدساته قد انتهكت حرمتها، ولكم جميعاً هذه النصيحة.
*******************
يا عشرة الماضي نصيحة صاحبٍ
ومجربٍ للأمر يا خلاني
إني سألتُ عن المحالِ فقيل لي
الفولُ والتفكيرُ يجتمعانِ
فطلبتُ أهلَ الفكرِ آخذ رأيهم
والرأيُ في باريس غيرُ جبانِ
فقرأتُ لافتةً خلاصةُ نصها
الفولُ للأفكارِ كالسجانِ
فطلبتُ شيخاً من شيوخنا سائلاً
فمضى يعنّعن ساعةً وأعاني
عن غابرٍ، عن هالكٍ، عن بائدٍ،
قال المحنطُ: قال ابنُ فلانِ
فتركته للماضي يركض لاهثاً
وركضتُ للأمريكي والياباني
الفولُ في الإفطارِ أسوأُ وجبةٍ
- قبل السؤالِ – أجابني الاثنان
وأئمةُ الطليانِ حين سألتهم
أفتوا فقالوا أضعف الإيمانِ
الفولُ للأفكارِ داءٌ قاتلٌ
والعلمُ أثبت ذاك بالبرهانِ
لم أنس إني في المنامِ رأيته
متحنكاً كفيه كالحيرانِ
فسألتُ ماجي من هناك؟ فقال لي
هذا ابنُ عمي حائك الأكفانِ
فاستبدلوه يا رفاقي وإن يكن
في وجبةٍ من بين كل ثمانِ
إن لم تطيقوا – ولن تطيقوا – غيره
والأمرُ أصبح خارج الإمكانِ
فصيامكم عن وجبتين تتابعاً
يا إخوتي خيرٌ من الإدمانِ
(صديقُ) لا تعتب عليّ إذا أنا
أسديتُ بعض النصح للإخوانِ
هي ذي الحقيقةُ، والحقيقةُ يا أخي
تغتالني بالصمتِ والكتمانِ
لم ترضِ بعض العاشقين نصيحتي
فتسابقوا في هدمهم أركاني
وتراشقوني بوابلٍ من ذمهم
كي يخمدوني ففجروا بركاني
أنسيته قالوا وأنت بفضله
ما زلتَ في الأحياء حتى الآنِ
أنسيتَ أنك امتطيته هارباً
من جوعِ بطنك ساعة الحرمانِ
وطلبته بالشعر يوماً مادحاً
فأتيتَ فيه بأروع الألحانِ
ورفعتَ شأنه بالمديح مفضلاً
السندوتش على لحوم الضانِ
ماذا تقول إذا سئلت؟ وقاحةً
يا شر من خلقوا بلا وجدانِ
إن كنتَ لا تدري اللئيم فإنه
مْنَ لا يجازي الفضلَ بالإحسانِ
مهلاَ رفيق السوءِ بات مضللاً
من ظنّ أنك من بني الإنسانِ
سيحدث التاريخ عنك عشيةً
فيقول كان لديك ألف لسانِ
فصرختُ ظلماً يا رفاقي مذمتي
ما كلّ هذا الهجر يا حباني
أنا لستُ أنكر إنني صاحبته
في الفطرِ، في العيدين، في رمضانِ
وقضيتُ جلَّ العمرِ في محرابه
مستسلماً لهواه في إذعانِ
ونتيجة الصبر الطويل وعشرتي
إني عرفتُ خمالةَ الأذهانِ
وفقدتُ نصف مواهبي ولياقتي
وعُرفتُ بين الناسِ بالكسلانِ
لم أنس إني على السطوحِ أكلته
في نخبةٍ من خيرة الشبانِ
فلمسته من جوفي يطفو صاعداً
وشعرتُ رأسي يُصابُ بالدورانِ
وبلغتُ من حد الثمالةِ إنني
فكرتُ في التحليقِ والطيرانِ
لو لا المليحةُ أمسكتني حينها
لسمعتُ صوت الناعياتِ نعاني
وسمعتُ – من تحت اللفافةِ – قائلاً
لسواه، كلٌّ من عليها فاني
إن كنت حقّاً يا صحابي عشقته
فالعشق بالكرباجِ شيءٌ ثاني
وإذا مدحته رافعاً من شأنه
استغفر الغفّار من هذياني
قد كنتُ متخمَ آنذاك فيا ترى
أخذ القضاءُ شهادةَ السكرانِ
وإذا أكلته ذات يومٍ مرغماً
يا سادتي ما حيلةُ الجوعانِ
والفولُ في السودانِ أصبح لازماً
للمرءِ مثل الفنِّ في اليونانِ
والطفلُ في السودانِ يُولدُ عاشقاً
للقِدرِ والفوَّالِ والفرَّانِ
بالشامِ عاصمة الجمال تعلقت
روحي وأورق في الهوى وجداني
في مطعمٍ اليرموكِ كان لقاؤنا
وفطورنا المتعدد الألوانِ
حيث المحمّر والمقمّر والتي
عُتِقت فلم تعرض على النيرانِ
فإذا أكلتَ محمراً ألفيته
ينصاعُ كأسفنج للأسنانِ
وإذا شربتَ مثلجاً أحسسته
ينسابُ من الحلق للشريانِ
وإذا وقفتَ على الحسابِ دفعته
من دون أيّ ترددٍ وتواني
وإذا قطعت بياضَ يومك لاهياً
في نزهةٍ، لم تمضِ غير ثواني
وإذا دفعت معاش شهرٍ كاملٍ
في سهرةٍ، ما عدتَ بالندمانِ
وإذا أويتَ إلى فراشك متعباً
ألتفت السيقانُ بالسيقانِ
هنا عالمٌ ما شئتَ فيه وجدته
هنا عالمُ الأرواحِ والأبدانِ
فاسلك طريقك حيثُ شئتَ مخيّراً
فالله والشيطانُ أيّ مكانِ
كلّ الذي أحدثته في دنيتي
بالأمس كان يدور في أذهاني
لكنَّ شربي للمعتّقِ لم يكنْ
- يا سادتي – من قبل في حسباني
لا تطلبوا عذراً إليَّ كعهدها
لا تعرف الأعذارُ دربَ لساني
إن كان عندي ما أقوله سادتي
سأقوله في حضرة الديَّانِ​
 
أعلى أسفل