معجم لسان العرب لابن منظور | منتديات الراكوبة

معجم لسان العرب لابن منظور

الموضوع في 'النثر، والخواطر' بواسطة لندناوي, بتاريخ ‏أكتوبر 18, 2016.

الوسوم: إضافة وسوم
  1. لندناوي

    لندناوي :: كاتب نشـــط::

    إنضم إلينا في:
    ‏مارس 3, 2011
    المشاركات:
    245
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    16
    بسم الله الرحمن الرحيم
    معجم لسان العرب لابن منظور
    مقدمة :
    إنّ معجم لسان العرب هو أحد أشهر المعاجم اللغوية القديمة التي وصلتنا، ويعتبر هذا المعجم من أشمل وأوسع تلك المعاجم، فقد جمع فيه صاحبه ما تفرق في بطون المعاجم اللغوية الأخرى، فكان هذا المعجم موسوعة لغوية بحق، ولهذا فهو المرجع الأساسي للكثير من الباحثين والمحققين. وصاحب معجم لسان العرب: هو الإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرَّم ابن منظور الإفريقي المصري، وقد ترجم له: الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة، والسيوطي في بغية الوعاة، وقد أجمع المترجمون له والمؤرخون على أنه ولد في سنة 630هـ، وتوفي في سنة 711هـ. وإسمه ونسبه الكامل: هو محمد بن مكرَّم بن علي بن أحمد الأنصاري محمد بن جلال الدين مكرم بن نجيب الدين أبي الحسن علي بن أبي القاسم بن حقبة بن محمد بن منظور، إلى هنا اشتهر نسبه عند من ترجم له، ولكن يضاف إلى هذا النسب جده الكبير (رويفع بن ثابت الأنصاري). ويكنى ابن منظور بـ (أبي الفضل)، ويلقب بـ (جمال الدين)، وقد ذكر أن ابن منظور قد ولد في مصر، أو في طرابلس الغرب كما يقول بعضهم. يذكر المترجمون لابن منظور أن من شيوخه: ابن المقبر، ومرتضى بن حاتم، وعبد الرحمن بن طفيل، ويوسف بن المخيلي، كما أنه من تلاميذه: الذهبي والسبكي. وقد كان الإمام ابن منظور – رحمه الله – عالماً متقناً في علوم اللغة العربية وفنونها وآدابها، وله الكثير من الآثار والمصنفات، ومن أهمها: معجم لسان العرب، وله أيضاً إختصارات كثيرة لكتب الأدب المُطَوَّلَة، كما يشير إلى هذا الحافظ ابن حجر.
    قضى ابن منظور عمره في الدراسة والكتابة والتأليف، ودأب على اختصار الكتب العربية القيّمة وتلخيصها، وكان "لا يمل من ذلك"
    كان ابن منظور ذا صيت حسن، وأهّله عمله وتقواه للعمل في دار الإنشاء في القاهرة، وتولي القضاء في طرابلس الغرب.
    تاريخ المعاجم اللغوية :
    تعتبر المراحل الثلاثة لتدوين اللّغة بداية التأليف المعجمي عند العرب، ولقد كان لكل مرحلة خصوصياتها؛ فالمرحلة الأولى هي مرحلة الجمع غير المنظم، ولقد بدأت منذ أواخر القرن الأول الهجري لتستغرق مدة قرن تقريبا، وكان علماء اللّغة في هذه المرحلة يأخذون الألفاظ من أفواه عرب الصحراء المعروفين بفصاحتهم، والذين لم يختلطوا بعد بالأعاجم، ويكاد الاتفاق ينعقد على أنهم أخذوا اللّغة من القبائل الآتية : أسد، قيس تميم، وهذيل، وهذا ما أشار إليه السيوطي في قوله :
    "والذين عنهم نقلت اللّغة العربية وبهم اقتدي، وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم قيس، تميم، أسد، فإن هؤلاء هم الذين عنهم أكثر ما أخذ ومعظمه، وعليهم اتّكل في الغريب والإعراب والتصريف، ثم هذيل، وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم"
    لقد تمّ تحديد الخريطة الجغرافية التي أخذت منها اللّغة العربية -ولا غرابة في ذلك- لأن العرب كانوا شديدي الحرص على لغتهم، ولقد تواترت الأخبار عنهم، أنهم كانوا يتذوّقون ما يسمعون، ويحكمون عليه بالجودة أو الرّداءة.
    لقد حرص العرب على سلامة اللّغة من اللّحن، واكتساب الملكة اللّغوية بالفطرة والسليقة، وإرسال أبنائهم إلى البادية لاكتساب الفصاحة؛ كل ذلك يجعلنا نصدّق، بل نجزم بأنّ اللّغة العربية التي وصلتنا جمعت في عصور الاحتجاج قد كانت مواطنها بعيدة عن الاحتكاك الأجنبي، كما أننا نميل إلى القول بأنّ ما وصلنا من كلام العربّ جزءا ضئيلا بالقياس إلى اللّغة عامة، ولذلك يقول ابن سلاّم : "ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلاّ أقلّه، ولو جاءكم وافرا، لجاءكم علم وشعر كثير.
    ويعدّ أبو عمرو بن العلاء (ت 154هـ)من روّاد هذه المرحلة، وقد كان يستنطق الأعراب ويطيل الاستماع إليهم؛ أما المرحلة الثانية، فقد بدأت بتدوين الألفاظ في رسائل متفرقة عرفت قدرا كبيرا من التنظيم، ومنهجية في التأليف، كجمع الألفاظ التي تشترك في حرف واحد مثلا، أو الألفاظ الأضداد، أو التي ألفت في مثلث الكلام كمثلث قطرب (ت206هـ) ، ومنها ما ألّف في موضوع واحد كموضوع اللبإ واللبن، والأمطار، والخيل، والإبل.
    واعتمد أصحاب المرحلة الثالثة على المرحلتين السابقتين، وتعتبر أكثر شمولية واتساعا، وبرز فيها تخصص جديد يختلف عما جمع في المراحل السابقة فهو ليس بأدب ولا رواية شعر، ولا جمع أخبار، وإنما تأليف معجمي، حاول أصحابه أن ينحوا نحو التجريد لنقل أكبر عدد من ألفاظ اللّغة العربية وشرحه شرحا دقيقا.
    لقد ابتكر الخليل بن أحمد الفراهيدي أول معجم عربي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وسمّاه كتاب العين، من باب تسمية الكل بالجزء، ثم حذا حذوه في هذه الصناعة الجديدة عدد من العلماء، فأغنوا المكتبة العربية بتآليفهم المعجمية التي أمدّت الدارسين العرب على مرّ العصور بفيض غزير من الكلام العربي في شكل ألفاظ وتراكيب، واستعمالات شتى؛ وتعتبر المعاجم سواء منها معاجم الألفاظ أو معاجم المعاني تحولات راقية شهدها الفكر العربي نحو استكمال حضاري شامل بوصفها موسوعات علمية وأداة تربوية تعليمية.
    وتعتبر المعجمات العربية زاد الباحث في اللّغة والأدب والاجتماع وعلم النفس وفلسفة اللّغة، وهي في ثروتها اللغوية التي تمدّنا بطاقات هائلة من الألفاظ، تساعدنا على التعبير عن أرقى المعاني الحضارية الحديثة في أساليب متنوعة، فهي وعاء فكري ومخزون لغوي تعتمد عليها الدراسات اللغوية الحديثة. ومن أهمّ هذه المعاجم "لسان العرب" الذي يعدّ عملا موسوعيّا ضخما استطاع صاحبه أن يستفيد من التجارب التي سبقته في هذا المجال .
    المصادر الأساسية للسان العرب :
    قد إعتمد ابن منظور في تصنيف معجم لسان العرب بشكل أساسي على النقل من المعاجم الأخرى، فهو يعترف في مقدمة المعجم ، بأنه لم يجتهد فيه اجتهاداً شخصياً، وأن ما أورده فيه هو عبارة عن نُقُول من المعاجم الأخرى، حيث يقول في مقدمة اللسان : لا أدَّعي فيه دعوى، فأقول: شافهت أو سمعت، أو فعلت أو صنعت، أو شددت الرحال أو رحلت، أو نقلت عن العرب العرباء أو حملت، فكل هذه الدعاوي لم يترك فيها الأزهري وابن سيّده لقائل مقالاً، ولم يخلّيا لأحد فيها مجالاً، فإنهما عيّنا في كتابيهما عمن رويا، وبرهنا عمّا حويا، ونشرا في خطبهما ما طويا. ولعمري لقد جمعا فأوعيا، وأتيا بالمقاصد ووفيا. ويقول أيضاً: وليس في هذا الكتاب فضيلة أمُتُّ بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها، سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم، وبسطت القول فيه… والمصادر والأصول التي اعتمد عليها ابن منظور في معجم اللسان هي خمسة، وهي على النحو التالي:
    1/ تهذيب اللغة لأبي منصور الازهري
    2/ المحكم والمحيط الاعظم في اللغة لابن سيده
    3/ تاج اللغة وصحاح العربية للجوهري
    4/ حواشي بن بري عللا صحاح الجوهري
    5/ النهاية في غريب الحديث والأثر لعز الدين ابن الاثير
    ويحوي هذا المعجم 80 ألف مادة، أي بزيادة 20 ألف مادة على القاموس المحيط . وهو من أغنى المعاجم بالشواهد، وهو جيد الضبط ويعرض الروايات المتعارضة ويرجح الأقوال فيها. ويذكر المعجم ما اشتق من اللفظ من أسماء القبائل والأشخاص والأماكن وغيرها. ويعدّ هذا المعجم موسوعة لغوية وأدبية لغزارة مادته العلمية واستقصائه واستيعابه لجُلّ مفردات اللغة العربية. وقد رتبه ابن منظور على الأبواب والفصول فجعل حروف الهجاء أبواباً أولها باب الهمزة وآخرها باب الألف اللينة. وجعل لكل حرف من هذه الأبواب فصولاً بعدد حروف الهجاء، وفي الباب الواحد والفصل يراعي الترتيب الهجائي في الحرف الثاني من الكلمات الواردة في كل باب وفصوله، وقد رتب الكلمات على أواخرها، فما كان آخره اللام تجده في باب اللام.
    أراد ابن منظور بكتابه أن يجمع بين صفتين: الاستقصاء والترتيب؛ إذ كانت المعاجم السابقة –كما يقول هو– تعنى بأحد هذين الأمرين دون الآخر، وأخذ على نفسه أن يأخذ ما في مصادره الخمسة بنصه دون خروج عليه، واعتبر هذا جهده الوحيد في الكتاب، وتبرأ من تبعة أية أخطاء محتملة بأن ما قد يقع في الكتاب من خطأ هو من الأصول، وإن تصرف قليلا في النهاية فغير شيئاً من ترتيبها
    طباعة معجم لسان العرب :
    طبع الكتاب مرات عديدة أولاها بدار المعارف في تونس ومن ثم صدر في 20 مجلداً في بولاق سنة 1299 هجرية، ثم بمصر سنة 1330 هجرية. والعديد من الطبعات الحديثة التي جاءت في 15 مجلداً كطبعة دار صادر في بيروت سنة 1968 ودار لسان العرب عام 1970 م.
    قام يوسف خياط ونديم مرعشلي بإعادة بناء المعجم على الحرف الأول من الكلمة وأضافا إليه جميع المصطلحات العلمية التي أقرتها المجامع العلمية في سوريا ومصر والعراق والجامعات العربية. ومن أحدث الطبعات للمعجم طبعة دار إحياء التراث العربي في بيروت وقد صدرت في 18 مجلداً ثلاثة منها للفهارس، وقد اعتمدت على تنظيم المواد على الترتيب الأبجدي
    عدد جذور المعجم:
    الثلاثي 6538
    الرباعي 2548
    الخماسي 187
    المجموع 9273

    أغراض المعجم :
    إن غرض ابن منظور من وضع معجم لسان العرب هو إعادة الفهرسة وإعادة الإنتاج بطابع علمي سلس يسهل على الدارس الوصول إلى غايته.
    يقول في تقديمه للسان العرب "وليس في هذا الكتاب فضيلة أمت بها، ولا وسيلة أتمسك بسببها سوى أني جمعت فيه ما تفرق في تلك الكتب من العلوم ، وما تصرفت فيه بكلام غير ما فيها من النص، فليتقيد من ينقل عن كتابي هذا أنه ينقل عن هذه الأصول الخمسة".
    ويعد ما ذكره ابن منظور في تقديمه على أنه مثال حي لترسخ مبدأ الحقوق الأدبية في الأدب العربي وأن احترام ذلك الحق والالتزام به نابع من شعور بالمسؤولية، وهو ما يعرف اليوم بقوانين حقوق الملكية الفكرية التي أصبحت تتمتع بقوانين جنائية صارمة.
    وبالإضافة إلى الكتابة والتأليف، كان ابن منظور شاعرا كذلك له شعر يجمع بين الرقة والحكمة، ومن شعره :
    توهم فينا الناس أمرا وصّمَمت *** على ذاك منهم أنفس وقلوبُ
    وظنوا وبعض الظن إثم وكلهم *** لأقواله فينا عليه ذنوب
    قال الصفدي عن شعره : له شعر غاص على معانيه وأبهج به نفس من يعانيه.
    منهج معجم لسان العرب :
    المنهج الذي اتبعه ابن منظور في جمع المادة اللغوية حسب ما يتبين للدارس وهو يتصفح هذا العمل الضخم (لسان العرب) فهو كالآتي :
    لقد درس ابن منظور هذه المعاجم الخمسة التي سبقته وفهم محتوياتها، وألّف في ضوئها معجمه المشهور، فهو من حيث اختيار المادة اللّغوية ناقل لا مبتكر، أما ابتكاره فيتمثل في أنه قد أخذ من كل معجم ما رآه يفضل به، يقول :
    "ورأيت علماءها بين رجلين : أمّا من أحسن جمعه، فإنه لم يحسن وضعه، وأمّا من أجاد وضعه، فإنه لم يجد جمعه، فلم يفد حسن الجمع مع إساءة الوضع، ولا نفعت إجادة الوضع مع رداءة الجمع" .
    وهكذا أراد المؤلف أن يجمع بين الحسنين، حسن الوضع وحسن الجمع ، أي سلامة العرض من حيث التبويب والتنظيم والاستيعاب والاستقصاء، وقد وجد طريقة الجوهري أفضل طرق الوضع، فاعتمدها وعلى هذا الأساس تحدث الجوهري قائلا : "أودعت هذا الكتاب ما صحّ عندي من هذه اللّغة، على ترتيب لم أسبق إليه، وتهذيب لم أغلب عليه." ، فضّل الجوهري التهذيب والاختصار في صحاحه وبيّن ترتيبه الذي أقامه على فكرة الباب والفصل، وجاء ابن منظور فأدرج معجمه المذكور على نهج الجوهري . استمد هذا المنهج عناصره من أسلوب القافية كما في الشعر، وهو الأساس الذي بني عليه اللسان، ونظر إلى كتب اللّغة غزيرة المادة كتهذيب الأزهري الذي وصفه بقوله : "كتابي هذا وإن لم يكن جامعا لمعاني التنزيل وألفاظ السنن كلها، فإنه يحوز جملا من فوائدها ونكتا من غريبها"
    لم يجد صاحب اللسان أجمل من تهذيب اللّغة للأزهري، ولا أكمل من المحكم لابن سيده وهما من أمهات كتب اللّغة على التحقيق، وهذا ابن سيده (ت 458ه) يصف كتابه : "إن كتابنا هذا مشفوع المثل بالمثل، مقترن الشكل بالشكل، لا يفصل بينهما غريب، ولا أجنبي بعيد ولا قريب، مهذّب الفصول، مرتّب الفروع بعد الفصول" ؛ يعتمد معجم ابن سيده التقليب الصوتي، ويمتد بترابط أشكاله إلى جذور المادة المعجمية لينقل بعيدها وقريبها من الألفاظ والمعاني على أساس الفرع والأصل.
    واعتمد أيضا صاحب اللسان على كتابين هامين أوّلهما كتاب التنبيه والإيضاح الذي كان ابن منظور يرى في تعليقات وتنبيهات ابن بري على الصحاح تصويبات واستدراكات، تنصبّ على الروايات اللغوية؛ وثانيهما النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير الذي وصف كتابه قائلا :
    "وجدت في الحديث كلمات كثيرة في أوائلها حروف زائدة، قد بنيت الكلمة عليها حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها...فرأيت أن أثبتها في باب الحرف الذي هو في أوّلها، وإن لم يكن أصليّا، ونبّهت عند ذكره على زيادته."
    لقد بذل ابن منظور جهدا كبيرا حتى أخرج لنا كتابا من أكبر معجماتنا اللغوية وأكثرها جمعا لألفاظ اللّغة، وأوفاها شرحا لمختلف المعاني التي تعبّر عنها هذه الألفاظ لأن صاحبه عُنِيَ بتفسير المفردات على أفصح اللغات ،في هذا الصدد قال المرتضى الزبيدي(ت 1374ه) في مقدمة كتابه : "إن اللسان يشتمل على ثمانين ألف مادة، وتحت كل مادة كثير من المشتقات، وهذه المشتقات من الصعب تعدادها في اللّغة العربية لكثرتها."
    وهذا مما يدلّ على أنّ ابن منظور قد استوعب قدرا كبيرا من المادة اللغوية التي حوتها تلك المعاجم التي اعتمدها، وساعده على ذلك ميله وشغفه بدراسة المطوّلات وتلخيصها.
    أهمية النّحو في المعاجم العربية :
    كان يهدف أصحاب المعاجم إلى تحقيق عدّة وظائف من أبرزها تأكيد صحّة اللسان في عصر الرواية بخاصة، وضبط دلالة الكلمة وتأثيلها، كما كان جلّ همّهم ينحصر في تسجيل مفردات اللّغة العربية برمّتها، وكذا كان عليهم أن يبرهنوا على وجود المفردات النادرة التي يريدونها في معاجمهم، ومنهم من اعتمد كثرة الشواهد تأكيدا لصحة اللّغة والقواعد النّحوية أكثر من تأكيده على الاستخدامات الدلالية المتنوعة للمفردة .
    ولم ينتهج مؤلفو المعاجم طريقة معينة في معالجة المادة اللغوية، وإنما جمعوا بين عدّة طرق، فهم يفسّرون اللفظ بلفظ آخر يؤدي معناه، أو بلفظ فأكثر، ويذكرون بعض أوجه استعمالاته عند العرب في المنظوم والمنثور، قصد تعزيز الاستعمال الفعلي للكلمة وهي مدمجة في خطاب ضمن النظام اللساني.
    ولقد أدرك رواد المعاجم القدماء أهمية الشاهد النّحوي منذ البدايات الأولى لنشأة المعاجم، واعتبروا استعماله يعزّز عملهم، ويدعّم قصدهم، فكانوا يلجأون إلى بيان إعراب اللفظ الذي هم بصدد شرحه من خلال الأمثلة والشواهد التي يرد فيها، إيمانا منهم أنّ الوظيفة النّحوية للكلمة في سياق الجملة تبيّن وتوضّح معناها، يقول محمد أحمد أبو الفرج : "وكثير من اللّغويين يعقدون صلة بين دراسات النّحو وبين المعنى ويجعلون دراسة اللّغة في النّحو" .
    ذلك أن النّحو لازم للكلام المركب وغايته إظهار الفروق في المعاني، ولا يمكن الاستغناء عنه -أبدا- وخاصة إذا كان تركه قد يؤدي إلى فساد المعنى أو إلى اللبس ولهذا السبب لجأ المعجميون القدامى إلى توظيف النّحو لضبط اللّغة، فتظل مؤدية دورها ووظيفتها الطبيعية، وذلك أنّ النّحو يبيّن كيفية تأدية المعنى، فالدلالة النّحوية الموقعية-غالبا- ما تنبني على المعنى الذي يختص به اللفظ في السياق اللغوي، وهذا ما عبّر عنه ابن يعيش(ت643هـ) بقوله :
    "لأنّ الاسم إن كان وحده مفردا من غير ضميمة إليه، لم يستحق الإعراب لأن الإعراب إنما يؤتى به للفرق بين المعاني، فإذا كان وحده كان كصوت تصوت به فإذا ركّبته مع غيره تركيبا تحصل به الفائدة، نحو قولك : زيد منطلق، وقام بكر، فحينئذ يستحق الإعراب لإخبارك عنه."
    يتبيّن لنا أن الكلمة المفردة إذا لم يتمّ ربطها بغيرها من الكلمات، فلا تزيد عن كونها صوتا نصوت به، إذ لا فائدة خبرية ولا بلاغية ولا سمة نحوية، وإنما تظهر فيها الفائدة الإخبارية والصفات النّحوية عند دخولها في الجملة وتأليف الكلام.
    وسنحاول الوقوف عند بعض الشواهد التي لجأ ابن منظور فيها إلى الاستعانة بالقواعد النحوية والصرفية على الترتيب :
    النحو في لسان العرب :
    قد انتهج ابن منظور كل هذه الطرق في معجمه، والذي يعنينا منها أنه ركّز كثيرا على الوظيفة النّحوية للكلمة التي هو بصدد دراستها، لذلك جاء معجمه حافلا بشتى المسائل النّحوية، وهذا ما يجعلنا نميل إلى القول بأن رواد الصناعة المعجمية قد وجدوا أمامهم ثروة من الدراسات النّحوية والأدبية فاستعانوا بها على توضيح معاني الألفاظ، وما يعتورها من دلالات قد تختلف باختلاف موقع الكلمة في الجملة، وبالنظر إلى العلاقة الناشئة بينها وبين غيرها، فالنّحو في حقيقته هو توضيح للوظائف الدلالية التي تؤديها الكلمات في التركيب اللغوي بالاعتماد على العلاقات التي تربط بعضها ببعض .
    ولا شكّ بأن أصحاب المعاجم عندما لجأوا إلى النّحو أحيانا، وهم بصدد تفسير ألفاظ اللّغة، قد كانوا على بيّنة من أمرهم، وذلك أنّ ألفاظ اللّغة ترتدي من الدلالات النّحوية ما يحمّله إيّاها التركيب اللغوي.
    ولكي نبيّن حاجة المعجمي إلى النّحو يمكن الرجوع إلى اللسان للاستشهاد بنموذج من نماذجه الكثيرة، وليكن : تساكر الرجل : أظهر السكر واستعمله؛ قال الفرزدق :
    أَسَكْرَان كَانَ اِبْنَ المرَاغَةِ إِذَا هَجَا تَمِيماً بِجَوْفِ الشَّامِ، أَمْ مُتَسَاكِرُ
    "تقديره : أكان سكران ابن المراغة، فحذف الفعل الرافع وفسّره بالثاني فقال : كان ابن المراغة؛ قال سيبويه : فهذا إنشاد بعضهم وأكثرهم ينصب السكران ويرفع الآخر على قطع وابتداء، يريد أن بعض العرب تجعل اسم كان سكران ومتساكر وخبرها ابن المراغة وقوله : وأكثرهم ينصب السكران ويرفع الآخر على قطع وابتداء يريد أن سكران خبر كان مضمرة تفسّرها هذه المظهرة، كأنّه قال : أكان سكران ابن المراغة، كان سكران ويرفع متساكر على أنه خبر ابتداء مضمر، كأنه قال : أم هو متساكر. "
    ففي هذا الشاهد أدرك صاحب المعجم أن الغاية الأساسية من الشاهد الفهم، إذ لا فائدة منه ما لم يؤدّ هذا الغرض الهام، ولهذا راح يلجأ إلى النّحو لتوضيح الدلالة وكشف غموضها واستكناه معناها الخفي؛ لأن في المعنى تكمن العلاقات التي تفسّر الدلالات ولقد قال السّكاكي في هذا الشأن : "علم النّحو هو أن تنحو معرفة كيفية التركيب فيما بين الكلم لتأدية أصل المعنى مطلقا بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب، وقوانين مبنية عليها
    والأصل في ترتيب الجملة الفعلية أن يذكر الفعل ثم الفاعل ويليهما المفعول به إن كان الفعل متعديا، وهذا هو الترتيب الطبيعي للفاعل ؛ والأمثلة التي أوردها صاحب اللسان حول هذه المسألة قول ساعدة بن جؤية :
    صَبَّ (اللَّهِيفُ) لَهَا السُّبُوبَ بِطَغْيَةٍ تُنْبِي العُقَابَ، كَمَا يُلَطُّ المِجْنَبُ
    ذكر صاحب اللسان قول ابن سيده : "يجوز أن يكون (اللهيف) فاعلا بصبَّ".
    الملاحظ في هذا المثال محافظة الفاعل على رتبته الأصلية، وجاء بعد الفعل مباشرة.
    واجتزأت المثال الثاني في هذا المضمار متمثل في قول الشاعر :
    حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ (تَذَكُّرُهُ) وَالدَّهْرُ أَيَّتَمَا حِينٍ دَهَارِيرُ
    أورد صاحب اللسان توضيح ابن بري حول قول الشاعر بأنّ "يكن" تمامة و "تذكره" فاعل بها، ويصبح الكلام كأن لم يكن إلاّ تذكّره .
    جاء الشاعر بـ (كان) التامة الدالة على الحدث والوجود، والمكتفية بفاعل مستعملا في ذلك الحصر المستفاد من (لم...إلا...) والمعنى يحدث ويوجد تذكره .
    والأصل في الفاعل أن يكون مرفوعا وجوبا لفظا ومحلا ؛ ومن الأمثلة التي عثرت عليها في اللسان في هذا المضمار قول حسان بن ثابت :
    وَلأَنْتِ أَحْسَنُ، إِذَا بَرَزْتِ لَنَا يَوْمَ الخُرُوجِ بِسَاحَةِ القَصْـرِ
    مِنْ دُرَّةٍ بيضَاءَ صَافِيَـــةٍ ممِاَّ تَرَبَّبَ (حَـائِرُ) البَحْرِ
    اعتمد صاحب اللسان في هذا المثال توضيح حواشي الصحاح : "الهاء العائدة على مما محذوفة، تقديره : مما تربّبه حائر البحر، يقال ربّبه، وتربّبه " .
    واخترت المثال الثاني في هذا المضمار من قول حصين بن حمام المرّي :
    فَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تَدْمَى كُلُومُنَا وَلَكِنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْطُرُ (الدَّمَا)
    نقل صاحب اللسان توضيح ابن بري : "و(الدما) في موضع رفع بيقطر وهو اسم مقصور".
    هذا المثال استدل به المبرد على أنّ أصل الدم (فَعَلَ) بتحريك العين ولامه ياء محذوفة كدليل، وأن الشاعر اضطر وأخرجه على أصله وجاء به على الوضع الأول الدمى بفتح الدال فاعل يقطر والضمة مقدرة على الألف لأنها لام اسم مقصور.
    والأصل في الفاعل وجوب الرفع لفظا ومحلا كما سبقت الإشارة إليه، إلا أنه قد يجر لفظا لا محلا في مواضع ؛ ومن الأمثلة التي وقفت عليها في اللسان حول هذه المسألة قول لبيد بن أبي ربيعة:
    حَتَّى تَهَجَّرَ فِي الرَّوَاحِ، وَهَاجَهُ طَلَبُ (المُعَقِّبِ) حَقَّهُ المَظْلُومُ
    استدل صاحب اللسان بقول الجوهري : (المعقب) خفض في اللفظ، ومعناه أنه فاعل .
    قال الزمخشري :" كأنه قال : طلبا المعقب حقه، ثم أضاف المصدر إلى المعقب وهو فاعل.
    جاء الفاعل مضافا إلى المصدر، ويكثر هذا في حالات استبدال المصادر بالأفعال وفي هذا الشأن يقول ابن جني : "فأنت إذا أضفت المصدر إلى الفاعل جررته في اللفظ واعتقدت مع هذا أنه في المعنى مرفوع...كما تصوّرت في المجرور معنى الرفع" . والشاهد في البيت هو أن لفظة (المظلوم) وردت بالرفع وهي نعت للمعقب المجرور لفظا والمرفوع محلا على أنه فاعل المصدر (طلب)، وفي هذه الحالة يكون الشاعر قد أتبع النعت بمنعوته على المحل.
    والمثال الثاني الذي وقفت عليه في اللسان في هذه المسألة قوله تعالى : {لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِـ(هِمْ) رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ} .
    نقل صاحب اللسان ما جاء في الصحاح وهذا نصه : "فيمن جعل الهاء مفعولا، ورحلة مفعولا ثانيا، وقد يجوز أن يكون المفعول هنا واحدا على قولك : آلفت الشيء كألفته وتكون الهاء الميم في موضع الفاعل، كما تقول : عجبتُ من ضربِ زيدٍ عمراً" .
    وهذا الشاهد تطرّق إليه بالدراسة كثير من اللّغويين والنحويين، وكانت تخريجاتهم كلها تصبّ في نفس الاتجاه، وهو الذي عبّر عنه الزمخشري بقوله : "نصب الرحلة بإيلافهم مفعولا به كما نصب يتيما بإطعام" . وقال ابن خالويه : "لإيلاف هو مصدر آلف، يُؤلِفُ، إيلافاً، فهو مؤلفٌ، مثل : آمن، يؤمن، إيمانا فهو مؤمنٌ" .
    والملاحظ أن إيلاف هو مصدر آلف يؤلف إيلافا، وعمل عمل فعله، وأضيف إليه فاعله وهو "هم" الضمير المتصل به، و (رحلة) مفعول به، والتقدير : أَلفُوا رحلةَ الشتاءِ.
    يكون عامل المفعول المطلق فعلا من لفظه ومعناه معا، وقد يكون من معناه فقط كما سبقت الإشارة إليه، ومن الأمثلة التي وردت في اللسان في هذا المضمار قول كثير عزةيصف أتانا :
    • تَلَقَّطَهَا تَحْتَ نَوْءِ السِّمَاكِ وَقَدْ سَمِنَت (سَوْرَةً) وَانْتِجَاثَا
    نقل صاحب اللسان قول ابن سيده : (سَوْرَة) منتصب على المصدر، لأن سمنت في قوة سارت، أي تجمع سمنها .
    في هذا البيت جاء المفعول المطلق متضمنا لمعنى الفعل، وهذا ما ينوب عن المصدر في أداء وظيفة المفعول المطلق المؤكد لعامله لأن الوظيفة في الأساس هي للمصدر قبل غيره.
    ومن الأمثلة التي وقفت عليها في اللسان في هذا المضمار قول عمر بن أبي ربيعة :
    قَالَتْ :
    • وَعَيْشِ أبِي وَحُرْمَةِ إِخْوَتِــي لأُنَـبِّهَنَّ الحـَيَّ، إِنْ لـَمْ تَـخْـرُجِ !
    فَخـَرَجْتُ خِيفَةَ قَولِهَا فَتَبَسـَّمَـتْ فَعَلِمْتُ أَنَّ يـَمِينَهـَا لَمْ تُـحْــرَجِ
    فَلَثَمْـتُ فـَاهَـا آخـِذاً بِقُونِهَـا (شُرْبَ) النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْـــرَجِ
    اعتمد ابن منظور توضيح ابن برّي : "ونصب (شرب) على المصدر المشبه به لأنه لما قبلها امتص ريقها، فكأنه قال : شربت ريقها كشرب النزيف للماء البارد .
    وردت لفظة (شرب) مفعولا مطلقا، وعلة ذلك أن الشاعر حمل الفعل (لثم) على معنى شرب لاستلزام أحدهما الآخر في هذا السياق، ثم بنى عليه المصدر المنصوب (شرب) ليكون مفعولا مطلقا، أو أن يقدر العامل محذوفا فيكون التقدير فلثمت فاها أشرب ريقها شرب النزيف للماء البارد فأضمر الفعل ودل عليه الظاهر.
    إن الكلمات التي تصلح أن تنوب عن المصدر كثيرة، منها ما يصلح للإنابة عن المصدر المؤكد وقد ينوب عن المصدر المبين أيضا إذا وجدت قرينة تعيّن المصدر المبيّن المضمر ومنها ما لا ينوب عن المصدر المؤكد ولكنه ينوب عن غيره من باقي أنواع المصادر. ومن الأمثلة التي أوردها ابن منظور في هذا المضمار قول الراعي :
    كَهُدَاهِدٍ كَسَرَ الرُّمَاةُ جَنَاحَهُ يَدْعُو بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ (هَدِيلاَ)
    ذكر صاحب اللسان تنبيه ابن برّي (الهديل صوته)، وانتصابه على المصدر على تقدير يهدل (هديلا)، لأن يدعو يدل عليه .
    العامل فيه هو الفعل يدعو، والهدهد طائر معروف وصوته هو هدهدته ويدعو بمعنى يهدل.
    ليحترز بها من الخطإ في التركيب".
    الصرف في لسان العرب:
    بعد تناول ما له علاقة بعلم النحو في معجم لسان العرب، فإنّنا سنحاول الوقوف عند بعض الشواهد الخاصة بالصرف بوصفه علما يختص بالأسماء والأفعال التّي يحدث فيها التصرّف من بنية إلى أخرى، ومنه ما ورد في شأن زيادة الهمزة التّي عبّر عنها القدماء بالألف : "وهي على ضربين : ألف الوصل وألف القطع. فكل ما ثبت في الوصل فه ألف القطع، وما لم يثبت فهو ألف وصل، ولا تكون إلاّ زائدة، وألف القطع قد تكون زائدة مثل ألف الاستفهام، وقد تكون أصلية مثل أخذ و أمر" ، والهمزة إذا رافقت ثلاثة أصول فهي زائدة في أول الكلمة وهذا يوافق قولهم : "إذا جاءت ثلاثة أحرف لا يشك في أنها من الأصول"
    وذكر صاحب اللسان في موضع آخر عند ما تناول بالشرح كلمة " ضَهْيَأُ "، فقال :"وضهيأ فعلأ، الهمزة زائدة كما زيدت في سَمْأَلٍ وفي غِرْقِىءِ البيض، قال : ولا نعلم الهمزة زيدت غير أوّلٍ إلاّ في هذه الأسماء ... قال ابن جني :امرأة ضهيأةٌ وزنها فعلأة لقولهم في معناها ضَهْيَاءُ، وأجاز أبو إسحاق في همزة ضَهْيَأَة أن تكون أصلا وتكون الياء هي الزائدة، فعلى هذا تكون الكلمة فَعْيَلَةً، وذهب في ذلك مذهبا من الاشتقاق حسنا لولا شيئ اعترضه، وذلك أنه قال يقال ضاهيت زيدا و ضاهأت زيدا، بالياء والهمزة" .فصاحب اللسان اعتمد على هذه الآراء بغية شرح كلمة "ضهيأ"، والغاية الأساسية هي الفهم ، ومن ثم يأتي ببعض الشواهد من كلام العرب شعره ونثره قصد التأثيل لها، ولهذا كان يلجأ لعلم الصرف لدفع الغموض والوقوف على المعنى الإجمالي للكلمة.
    وفي موضع آخر يورد صاحب اللسان ما نجده في اللغة :"النِّسبةُ والنُّسبةُ والنَّسبُ : القرابة". ويعني في الاصطلاح إلحاق ياء مشددة في آخر الاسم من الآباء أو البلاد أو الصناعة. والنسب إلى ما جاء على فعيلة نحو : عشيّة وتحيّة هو : عَشَويٌّ وتَحَوِيٌّ بحذف إحدى الياءين وقلب الأخرى واوا. والسبب في ذلك أنهم يستثقلون تتابع الياءات فيخففون.
    أما مثال ما تغيرت فيه الحركة مع الحذف، ولا قياس له، قولهم في النسب إلى الخريف : خَرْفِيّ وخَرَفِيّ84، ومثال ما قلبت فيه الحركة الحرف معا النسب إلى هَدْأَة : هَدَوِيّ، البادية : بَدَوِيّ، حيّة وحَيَوِيّ، ومثله : قرية وقرَويّ، ومنه ما تغيرت حركته مع الحرف والحذف في نحو : الشتاء، قالوا : شَتَوِيّ وشَتْوِيّ.
    ولعلّ ابن منظور حين اعتمد النّحو والصرف في تفسير المعنى، قد رأى في هذين العلمين أهمّ وسيلة لتفسير المعنى، ولابدّ من الإشارة إلى أن النحاة قد اعتبروهما في المقام الأوّل مقياسا لصفة استعمال اللّغة؛ أمّا المعجميّون فقد ذهبوا إلى أعمق من ذلك، إذ استعانوا بهما على تفسير المعنى، وإنّهم بهذا الصنيع يسهمون إسهاما فعّالا في توضيح معاني الشواهد المعتمدة في معاجمهم.
    لقد وجد ابن منظور أمامه ثروة من الدراسات المعجمية والنّحوية والصرفية فاستعان بها لإنجاز عمله الضخم (لسان العرب)، والحقيقة أن المعجم لا يمكن أن يستغني عن علوم اللسان العربي، فالمادة اللغوية التي يقدمها المعجمي تكون في صور نحوية وصرفية، كأن تكون فعلا ماضيا أو مضارعا مسندا إلى ضمير فاعل، أو مسلطا على اسم منصوب مفعول به أو يقدّم لنا اسما متصلا بأداة التعريف، أو منكّرا إذ اقتضى الأمر، وبعبارة أدقّ فإنّ المعجم يقدّم المادة اللغوية في أشكال من التراكيب والتعابير، أي في أنساق نحوية وإن لم يصرّح بذلك، فالمصرّح به لدى المعجميين هو ذكر الوظائف النّحوية الموقعية للألفاظ المراد شرحها بالفاعلية والمفعولية والحالية والبدلية والظرفية...فهذه كلها مواضع نحوية في عرف النحاة وهي نفسها وظائف دلالية لدى المعجميين.
    وكثرت الرواية في المعاجم عن النحاة باختلاف مدارسهم ومذاهبهم، وذكر آرائهم واختلافاتهم الإعرابية وما يتبعها من تأويلات معنوية كما هو الشأن في لسان العرب، وهذه الميزة تكاد تكون مشتركة بين جلّ المعاجم العربية القديمة.
    ومن ههنا نخلص إلى أن علوم اللسان العربي تبيّن طريقة اللّغة في تأدية المعنى، فلا يمكن أن يتصوّر هذه المعاجم بدون هذه العلوم إلاّ بفساد نظامها وتقليص دورها العلمي والتربوي.







    المصادر والمراجع :
    1/القرآن الكريم، برواية ورش، وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1984.
    2/ د. الحديثي، خديجة، أبنية الصرف في كتاب سيبويه، بغداد، مكتبة النهضة، د.ط، 1385ه-1965م.
    3/ ارتشاف الضرب من لسان العرب لأبي حيان الأندلسي، تح د. مصطفى أحمد النحاس، القاهرة، مطبعة المدني، ط.1، 1987م.
    4/ الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين : خير الدين الزركلي، بيروت، دار العلم للملايين،ط.6، 1984م.
    5/ الأمالي في المشكلات القرآنية والحكم والأحاديث النبوية لأبي القاسم عبد الرحمن القاسم الزجاج، بيروت، دار الكتاب العربي، د.ط،د.س .
    6/ الإيضاح في علل النحو لأبي القاسم الزجاجي، تح د. مازن المبارك، بيروت، دار النفائس، ط.4، 1982م.
    7/ بغية الوعاة في طبقات للغويين والنحاة لجلال الدين السيوطي، تح محمد أبو الفضل إبراهيم، مطبعة عيسى البابلي وشركاه، 1964م.
    8/ البيان والتبيين : أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، دار الفكر للجميع، د.ط، 1968م.
    9/ تاج العروس من جواهر القاموس : أبو الفيض محمد المزنفي الزبيدي، بيروت، مكتبة دار الحياة، د.ط، 1960م.
    10/ تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري، تح أحمد عبد الغفور عطال، بيروت، دار الملايين، د.ط، 1984م.
    11/ تقنيات التعريف بالمعاجم العربية المعاصرة : حلام الجيلالي، دمشق، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1999م.
    12/ التكملة لأبي علي الفارسي، تح د. حسن شادلي فرهود، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1984م.
    13/ تهذيب اللغة لأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري، تح عبد الكريم العربوي ومراجعة الأستاذ محمد علي النجار، الدار المصرية للتأليف والترجمة.
    14/ حاشية الصبان للشيخ محمد بن علي الصبان الشافعي على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، ضبطه وصححه وخرج شواهده إبراهيم شمس الدين، بيروت دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون، ط.1، 1997م.
    15/ الخصائص : أبو الفتح عثمان بن جني، تح محمد علي النجار، دار الكتاب العربي.
    16/ خصائص العربية والإعجاز القرآني في نظرية عبد القاهر الجرجاني اللغوية : أحمد شمية، الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية، 1995م.
    17/ شرح الأشموني لألفية مالك المسمّى منهج السالك إلى ألفية مالك، تح عبد الحميد السيد محمدعبد الحميد، القاهرة، المكتبة الأزهرية للتراث.
    18/ شرح التصريف لعمر بن ثابت الثمانيني، تح د. إبراهيم بن سليمان البعيمي، الرياض، مكتبة الرشد،ط.1، 1994م.
    19/ شرح شافية ابن الحاجب لرضي الدين محمد بن الحسن الأسترابادي النحوي، تح الأساتذة محمد نور الحسن ومحمد الزفزاف ومحمد محي الدين عبد الحميد، بيروت، دار الكتاب العلمية، 1975م.
    20/ شرح المفصل : موفق الدين يعيش بن علي بن يعيش النحوي، بيروت، عالم الكتب.
    21/ طبقات فحول الشعراء لمحمد بن سلام الجمحي، تح محمود محمد شاكر، القاهرة، مطبعة المدني، 1974م.
    في أصول النحو : سعيد الأفغاني، جامعة دمشق، ط.3، 1963م.
    22/ كتاب التعريفات للشريف الجرجاني، بيروت، دار الفكر، ط.1، 1997م.
    23/ كتاب سيبويه، تح عبد السلام هارون، بيروت، عالم الكتب، ط.3، 1983م.
    24/ كتاب عيون الأخبار لأبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، بيروت، دار الكتاب العربي (طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، 1925م).
    25/ لسان العرب لابن منظور، بيروت، دار صادر، ط.3، 1994م.
    26/ اللغة ومعاجمها في المكتبة العربية : د. عبد اللطيف الصوفي، دمشق، طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط.1، 1986م.
    27/ المحكم والمحيط الأعظم في اللغة : علي بن إسماعيل بن سيدة، تح مصطفى السقا والدكتور حسن النصار، طبعة الحلبي، ط.1، 1958م.
    28/ المزهر في علوم اللغة وأنواعها للعلامة السيوطي، شرح وتعليق محمد جاد المولى بك ومحمد أبي الفضل إبراهيم وعلي محمد البجاوي، بيروت، منشورات المكتبة العصرية صيدا، 1987م.
    29/ المعاجم اللغوية في ضوء دراسات علم اللغة الحديث :د. محمد أحمد أبو الفرج، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، 1966م.
    30/ المعجم العربي نشأته وتطوره للدكتور نصار حسين، دار مصر للطباعة،ط.2، 1968م.
    31/ مفتاح العلوم للإمام أبي يعقوب يوسف بن أبي بكر محمد بن علي السكائي ، بيروت، دار الكتاب العلمية، ط.2، 1987م.
    32/ المقدمة لابن خلدون، بيروت مطبعة محمد عبد الرحمن محمد لنشر القرآن الكريم والكتب الإسلامية.
    33/ المنصف، شرح الإمام أبي الفتح عثمان بن جني النحوي لكتاب التصريف للإمام أبي عثمان المازني النحوي البصري، تح إبراهيم مصطفى وعبد الله أمين، القاهرة، دار إحياء التراث القديم، ط.1، 1954م.
    34/ النهاية في غريب الحديث والأثر للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري بن الأثير، تح طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابلي وشركاه، ط.1، 1963م
     
  2. ابو نمر

    ابو نمر :: المشــرف العــام ::

    إنضم إلينا في:
    ‏يونيو 3, 2010
    المشاركات:
    6,493
    الإعجابات المتلقاة:
    30
    نقاط الجائزة:
    48
    رد: معجم لسان العرب لابن منظور

    العجم رهيب لندناوي فقط يحتاج الى ترتيب او تنسيق .
    سأحاول ترتيبه فى مقبل الايام
    سملت يمناك
     

مشاركة هذه الصفحة