محمد أحمد المحجوب «الفردوس المفقود»

يوسف عوض الباري

:: كـاتب نشــط ::
#1
الفردوس المفقود «في رثاء الأندلس»


نزلتُ شَطكِ، بعدَ البينِ ولهانا‎
فذقتُ فيكِ من التبريحِ‎ ‎ألوانا‎

وسِرتُ فيكِ، غريباً ضلَّ سامرُه
داراً وشوْقاً وأحباباً وإخوانا‎

فلا اللسانُ لسانُ العُرْب نَعْرِفُه
ولا الزمانُ كما كنّا وما كانا‎

ولا الخمائلُ تُشْجينا بلابِلُها
ولا النخيلُ، سقاهُ الطَّلُّ، يلقانا‎

ولا المساجدُ يسعى في مآذِنِها
مع العشيّاتِ صوتُ اللهِ رَيّانا‎

‎****

كم فارسٍ فيكِ أوْفى المجدَ شرعتَه
وأوردَ الخيلَ ودياناً‎ ‎وشطآنا‎

وشاد للعُرْبِ أمجاداً مؤثّلةً
دانتْ لسطوتِهِ الدنيا وما دَانا‎

وهَلْهلَ الشعرَ، زفزافاً مقَاطِعُه
وفجّرَ الروضَ: أطيافاً وألحانا‎

يسعى إلى اللهِ في محرابِهِ وَرِعاً
وللجمالِ يَمدُّ الروحَ قُربانا‎

لمَ يَبقَ منكِ: سوى ذكرى تُؤرّقُنا
وغيرُ دارِ هوىً أصْغتْ لنجوانا‎

‎****

أكادُ أسمعُ فيها همسَ واجفةٍ
من الرقيبِ، تَمنّى طيبَ‎ ‎لُقيانا‎

اللهُ أكبرُ هذا الحسنُ أعرِفُه
ريّانَ يضحكُ أعطافاً وأجفانا‎

أثار فِيَّ شُجوناً، كنتُ أكتمُها
عَفّاً وأذكرُ وادي النيل هَيْمانا‎

فللعيونِ جمالٌ سِحرُهُ قدَرٌ
وللقدودِ إباءٌ يفضحُ البانا‎

فتلك دَعْدٌ، سوادُ الشَعْرِ كلَّلها
أختي: لقيتُكِ بَعْدَ الهجرِ أزْمانا‎

أختي لقيتُكِ، لكنْ أيْنَ سامُرنا
في السالفاتِ ؟ فهذا البعدُ‎ ‎أشقانا‎

أختي لقيتُ: ولكنْ ليس تَعْرِفُني
فقد تباعدَ، بعد القُربِ حيَّانا‎

طُفنا بقرطبةَ الفيحاءَ نَسْألها
عن الجدودِ.. وعن آثارِ مَرْوانا‎

عن‎ ‎المساجد، قد طالت منائرُها
تُعانق السُحبَ تسبيحاً وعرفانا‎

وعن ملاعبَ‎ ‎كانتْ للهوى قُدُساً
وعن مسارحِ حُسنٍ كُنَّ بسْتانا‎

وعن حبيبٍ، يزِينُ‎ ‎التاجَ مِفْرقُه
والعِقدُ جال على النّهدين ظمآنا‎

أبو الوليد تَغَنّى في‎ ‎مرابِعِها
وأجَّجَ الشَوقَ: نيراناً وأشْجانا‎

لم يُنْسِه السجنُ أعطافاً‎ ‎مُرنَّحةً
ولا حبيباً بخمرِ الدَّلِّ نَشْوانا‎

فما تَغرّبَ، إلاّ عن‎ ‎ديارهم
والقلبُ ظلَّ بذاك الحبِّ ولهانا‎

فكم تَذكّرَ أيّامَ الهوى شَرِقاً
وكم تَذكّرَ: أعطافاً وأردانا‎

‎ قد هاجَ منه هوى ولادةٍ‎ ‎شَجَناً
بَرْحاً وشوْقاً، وتغريداً وتَحْنانا‎

فأسْمَعَ الكونَ شِعْراً‎ ‎بالهوى عَطِراً
ولقّنَ الطيرَ شكواه فأشجانا‎

وعاشَ للحُسنِ يرعى الحسنَ في‎ ‎وَلَهٍ
وعاش للمجدِ يبني المجدَ ألوانا‎

تلكَ السماواتُ كُنّاها نُجمّلُها
بالحُبِّ حيناً وبالعلياء أحيانا‎

فرْدَوسُ مجدٍ أضاعَ الخَلْفُ رَوْعَتَه
من بعدِ ما كانَ للإسلامِ عنوانا‎

‎****

أبا الوليدِ أعِنِّي ضاعَ‎ ‎تالدُنا
وقد تَناوحَ أحجاراً وجُدرانا‎

هذي فلسطينُ كادتْ، والوغى دولٌ
تكونُ أندلساً أخرى وأحزانا‎

كنّا سُراةً تُخيف الكونَ وحدتُنا
واليومَ‎ ‎صرْنا لأهلِ الشركِ عُبدانا‎

نغدو على الذلِّ، أحزاباً مُفرَّقةً
ونحن كنّا‎ ‎لحزب اللهِ فرسانا‎

رماحُنا في جبين الشمسِ مُشرَعةٌ
والأرضُ كانت لخيلِ‎ ‎العُرب ميدانا‎

أبا الوليدِ، عَقَدْنا العزمَ أنّ لنا
في‎ ‎غَمرةِ الثأرِ ميعاداً وبرهانا‎

الجرحُ وحّدَنا، والثأرُ جَمّعنا
للنصر فيه‎ ‎إراداتٍ ووجدانا‎

لهفي على «القدسِ» في البأساء داميةً
نفديكِ يا قدسُ‎ ‎أرواحاً وأبدانا‎

سنجعل الأرضَ بركاناً نُفجّره
في وجه باغٍ يراه اللهُ‎ ‎شيطانا‎

ويُنتسى العارُ في رأد الضحى فَنَرى
أنَّ العروبةَ تبني مجدَها‎ ‎الآنا
 
أعلى أسفل