صمت الأجراس | منتديات الراكوبة

صمت الأجراس

الموضوع في 'الرواية والقصة القصيرة' بواسطة عبد الناصر ميرغني, بتاريخ ‏ديسمبر 6, 2016.

الوسوم: إضافة وسوم
  1. عبد الناصر ميرغني

    عبد الناصر ميرغني :: كاتب نشـــط::

    إنضم إلينا في:
    ‏مايو 6, 2011
    المشاركات:
    299
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    16
    وإلى أن انطفأ كل شيء فجأة , كنت الطائر المحلق بين قطرات المطر الناعم , كنت الفراشة التي تعشق كل الأزهار , تطوف حولها في تقديس , تقبلها واحدة واحدة , بلا خجل , ولا شعور بالذنب , كان في ذراتي - في كل ذرة منها- أجراس صغيرة , ترِنُّ رنينا خافتا , مموسقا , يوقع مهرجانات الأضواء ورقصها , وكل رقصة كان لها سحر فريد وجديد , كان أروعُ ما في هذه المهرجانات أنها تنبع من اللحظة عفوا , دون تعمد أو تدبير , يبدأ الواحد منها مع رنة أول جرس , وينتهي مع بداية المهرجان الذي يليها , ربما كان بعضها حلم يقظة , أو مناما , أو ارتقاءً وجدانيا إلى أكوان أخرى , ولكن روحي كانت متوهجة دائما كنجمة عاشقة , حتى لتكاد تحترق , وكانت الفصول كلها تُفتَرش بالعشب الناعم , ومروج الـ (سنامكة) , ثم تزهر أشكالا وألوانا وأغاريد وشذى .
    كنت أتدحرج عبر الرقص الكوني , ورقة ملونة يحملها نسيم منسوج من حنين يانع لكل شيء , أغرد مع الطيور , وأثغو مع الحملان , أرسل الحصى والحجارة في كل الاتجاهات ؛ لتحلق مع الفراشات , أهز جذوع الأشجار متوسلا ؛ لتركض معي في الصباحات الجميلة , وأغفو في حضن أي أرجوحة : صوت درويش مار يترنم بمديح نبوي , أو منشار نجار يشق لوحا , أو كتابٍ مصور يرسم عالما من الألوان , والشخصيات التي تنسل في الليل ؛ لتتقافز في فضاءات الأحلام .
    حين يئس أبي من وضع قطاري على سكته , أشاح عني , لملم عصاه ومواعظه وركام آماله وتنهداته , وانصرف إلى إخوتي الصغار , الذين يدرجون على طرق ناعمة واعدة , كمهور تتلمظ شوقا إلى قطع السكر , ودروعِ التكريم على مَنصات التتويج , وربما أيقن أني قطرة ماء تنزلق على غصن أملس , ولابد أن ينتهي مسيرها يوما بالسقوط ؛ لتتبخر عبر المسافة , أو تمتصها الأرض العطشى للقطرات الحمقاء .
    كان يصحو في صباحات الليالي الممطرة ؛ ليجدني جالسا على الوحل في ساحة البيت , مبللا تماما , ومحموما بتشكيل الطين , أو طرطشة الماء والتنصت إلى صوته المتشكي , أو راكضا في الشارع عبر جدول الصرف , أحاول اصطياد المطر العكسي الذي تثيره قدماي الحافيتان , أو عاريا في برد الشتاء , وقد ملأت ساحة البيت حفرا , مطاردا دودة قررت الاختباء من دبيب الأرجل المحمومة بمطاردة اللاشيء .
    كنت وعبر طريقي إلى المدرسة , أو مرسلا إلى محل البقالة , ترن في ذراتي الأجراس , تعزف أناشيدها السماوية , فأنفصل فجأة عن السكة , أستحيل شيئا شفافا , معدوم الوزن , أنطلق مع النسمة وراء رائحة تفوح , أو نغمة تتسلل , أو ضوء يبرق ؛ لأقضى ساعات أحاول إعادة عصفور سقط عن عش على شجرة , أو أبني حوضا لشجيرة توشك أن تذبل عطشا , أو فرجة على عمال يفرغون شاحنة أثاث , أو يصلحون شيئا ما .
    وكلما كبرت , تحلق بي الأجراس إلى أفاق أعلى , وتصبح تهويماتي أكثر إثارة لجنون أبي , وحزن أمي , كنت أهيم في مدارات أوسع , ولأوقات أطول , وذات يوم قادتني خطاي إلى محطة القطارات , جلست على صندوق مهمل في زاوية المحطة , أراقب قطارا على وشك المغادرة , حلق بي هذا الزحام الكثيف , وسال لعابي لهذه المشاهد التي لا تحصى , أفراد وعائلات , شرطة وعمال , بضائع وحقائب ترفع وتوضع , وأناس يركبون , وينزلون , بعد الصفير الطويل ومع بدء حركة القطار أخذت أجراسي كلها ترن , ووجدتني أقفز إليه متسللا .
    كانت الرحلة عالما خرافيا , ثلاثة أيام ذهابا , وثلاثة إيابا , ويوم في المحطة الأخيرة تشردا وسياحة , تجردت من الزمان والمكان , ومن الناس الذين يدورون في دوائر لا تَمَلُّ من التقاطع , أحسست بالسقوط اللذيذ في الأبدية , في اللانهائية , قطرة تسبح في نهر ينسال مطمئنا , قرى تمر مسرعة كأنها على موعد مع القدر , جبال تلوح من البعيد , سهول يفترشها العشب المتدرج بين الأخضر والأصفر , يتقافز علوا مشيرا إلى صدره افتخارا , أو يحبو كطفل تجذبه الأجراس , أو يتمرغ بالتراب كخيول تستريح , أشجار تتبادل الأحضان والقبلات , أبقار تخور , وجمال تمد أعناقها ؛ لتستكشف ما وراء الأشجار , جداول وأودية تسيل كأحلام منتعشة , وموائد تفرش عند المحطات كطقوس الأعياد .
    حين قادتني الأجراس إلى العش القديم , دخلت البيت متسللا كفقاعة , وجدت أبي منزويا في ركنه , كنجم مأسور في قوقعة قديمة , رد على تحيتي بأن قلب كفيه مصفقا بهما , وأشاح عني بوجه معتم وعينين منكسرتين , أحسست دفئا في صدري يضغطه حزن أسير , دلفت إلى حجرة أمي , وكانت جالسة على سجادتها والسبحة في يدها , سلمتُ فرفعَتْ رأسها صامتة , حدقت في طويلا , ثم بدأ وجهها يحمر وأنفاسها تضطرب , وترقرقت في عينيها الدموع , ثم انفجرت عاصفة البكاء , فرميت نفسي بين يديها , احتضنتني وهي تنشج وترتجف , وتقبل رأسي ؛ فتتساقط دموعها وتبلل شعري , واختلط بكائي بنحيبها , كانت تلك أخر مرة سمعت فيها رنين الأجراس , انتظم القطار في سكته , يعبر المسافات بلا صهيل , يتوقف عند المحطات مطأطئا رأسه , وحين يمتطيه المسافرون , وتلكزه الصافرة , يتلكأ قليلا , ثم لا يلبث أن يسرع مخدرا يلهث .
    جود دائم ‏26‏/12‏/2015
     
  2. Mansour

    Mansour :: كاتب نشـــط::

    إنضم إلينا في:
    ‏يناير 1, 2011
    المشاركات:
    105
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    16
    رد: صمت الأجراس

    الأستاذ عبد الناصر
    قد قال عاطف خيري يوماً: أنا في سقالة الشوف قدح البصيرة تقيل ..
    هي هكذا البصيرة لا بد وأن تملأنا بما نشتهيه ونظنه وبما يمكننا من إحتوائه!
    لا بد للفراشات من التحليق حول النار ولكن من دون أن تهوي فيها فتحترق بما ألفته بها من دفء ،،،،
    سرد ولا أروع عزيزي وتنقل سلس لم يفتأ ان يصيبني بملكة الإحتواء فأشعر بأن الأجراس ترن وترن بداخلي لأدرك ما فاتني من الأنبياء ..

    لك مني مزيداً من الود
     
  3. عبد الناصر ميرغني

    عبد الناصر ميرغني :: كاتب نشـــط::

    إنضم إلينا في:
    ‏مايو 6, 2011
    المشاركات:
    299
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    16
    رد: صمت الأجراس

    مداخلتك أخي الفاضل منصور أكثر روعة من النص وعزاء لي في زمن قل فيه العزاء , سلمت من كل شر , وأنا خلفك في الموكب لعلني أدرك معك ما تدرك .. تحياتي وخالص مودتي ..
     
  4. سامر دوشه

    سامر دوشه كاتب جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏يوليو 26, 2010
    المشاركات:
    19
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    1
    رد: صمت الأجراس

    ما هذا الجمال في الوصف و التعبير يا رجل ..؟
    سلمت يمناك و ( تلهفنا ) لقراءة المزيد ..


    تحياتي
     
  5. رهيد

    رهيد :: كاتب نشـط::

    إنضم إلينا في:
    ‏يوليو 27, 2012
    المشاركات:
    78
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    6
    رد: صمت الأجراس

    نص عميق وذو أبعاد أعجزت مخيلتي

    وأديم بقائي ووافي الشكر
     

مشاركة هذه الصفحة