صلاح أحمد إبراهيم «الحاجّة»

يوسف عوض الباري

:: كـاتب نشــط ::
#1

الحاجّة

ما سألنا وما أخبرت ، ليس ذاك بهام- لنا وحسبنا - تعال-لها،

انها وكفى الحاجة

***

ذرعت كل افريقيا تعبر

النهر والقفر سابحة في الزحام

وتُقيم وما من مقام

ريثما تنطلق

اى ريح رات في الحدود

قيود؟

إسالوا((الحرمتان))

اى سحب لها في الجمارك او في الجنود

سدود-

تقيدها بمكان

وطيور مهاجرة مهاجرة ، سربها كل عام-

يصدر

هل قضت موسما رائعا بالورق

او تصدت لرحلتها بائتذان؟

فمضت فى الدواوين يأمرها آمر

((انتهى يومنا في غد بكّروا

واحضروا ما يسهل .. او فاصبروا

رُّب قوم عزاز

صبروا ثم آبوا بغير جواز))

وكذلك ..

كالريح ، كالسحب**كالطير

ليس لها**من لجام

ذرعت كل افريقيا وهى لا تفتر

وسواكن وجهتها - بحرها الأحمر

فالحجاز

إنها لآن فى شارع من مدينتنا

فانظروا

ها هى الحاجه

***

ربطت طفلها بحزام

على ظهرها - وجهه**الاغبر

عظمة نتأت من عظام

مائل راسه الضخم : فرخ نعام

تطلع من بيضة دهشاً، او كما يفعل**الكنغر

وسعت فى الطرق

يا ترى ما اسمها

يا ترى اى هم

جال فى جنبها وهى ام

طفلها فى الرضاع

جائع ، وهى لم...

لا يهم...

انها الحاجه

***

العناء على وجهها المستطيل

آمرُ ومطاع

والألم

صاعد ، صامد ، واصيل

وهى صامتة لا تنم

كفنت وجهها بقناع

كفها كالقدم

ذات شق بجانب شق

كبقايا ندم

في فؤاد نبيل

حملت فوق هامتها - حملها

فى تحد وفى كبرياء

ومضت ترتزق

فرشت عند هجليجة فوقها...

والنبق

تعلك الصبر فى جانبى فمها إحمرار

وأتاها الصغار

بعد طول انتظار

زحموا ظلها ضحكا وغبار

يتدافر جمعهم حولها وبهم لم تضق

قلبها مؤتلق

انها الحاجة

***

همهمت بالسلام

مال صاحبنا وهو ذو شبهة وملام...

ولبق فى الكلام

وشبق

كل أنثى لديه طعام

سائغ ، والنساء لديه سواء

فى الظلام

قال مثل مُراب لها، غامزاً فى ابتسام

ومضت منه ناب

بلعاب...

ادخلى خلف بابى المرام

ادخلى ، ادخلى

فأجابت بصوت حييِّ: حرامْ

إننى حاجّة.

***

رفعت بالذراع المدق

مس نعل السحاب

وهوت لتدق

وتدق..وتدق

سال فيها عرق

ظهرها بعذاب نطق

وهى منهمكة

كل ما تشتهى كسرة ومرق

بعد ان ينتهى

يومها فى صيام

لقمة ولإدام

ثم تفترش الأرض حامدة وتنام

بعد ذاك الرهق

انها الحاجة

***

نقرت بابهم في أمل

تتساءل هامسة عن عمل

فأطلت لها امراة ذات صدر جهام

وكفيل

ومستقل، مهيب ، ثقيل

كلما حركته احتفل

واشمخر بها فتميل

ادخلى فلدينا غسيل

دخلت ورنت فى قلق

الملابس مردومة كالجبل

والملاءات فى كومة ، لوجمل

حملوه بها لنفق

وهى لا تعترض

كلهم يفترض

إنحنت فوقها باركة

صبت الماء يغلى وبالقدمين مضت داعكة

وبكى طفلها لم يذق

لبنا ، ثديها محترق

نهريه مراطنه فاستنام

واتوا بمزيد لها - لم تقل

كثير.. فكل كثير قليل

على حاجة مثلها ذات ثوب خلق

وجسم نحيل

يصنع المستحيل

لو انفلق الصخر لا ينفلق

وعند الغروب

نفحوها الذى يتّفق

حزمت طفلها فى شحوب

وانثنت لتؤوب

هالكة

فى أزقتنا الحالكة

إنها الحاجة

***

في الطريق لها سنوات

خدنها في المهامه مات

دفنته وسارت ، كأن لم يكن

عزمها لم يهن

فلديها أمل

عاش فى صدرها واعتمل

في سموم الشقاء

فى هجير الشقاء

فى فيافي الشقاء

بالدغاش اصطفق

فى غمام برق

جاش مستمطراً واكفهرّ وكرّ ولما هطل...

أينعت بعزاء:

كونها حاجة

***

فاذا أقبل الليل والكون مات

وحان السبات

ودهدهها الكد فى عرصات الشتاء

وكف ابنها عن بكاء

رات نفسها ضيفة الله، والله قُدّامها-

على عرفات

تمد اليه العنق

وترفع وجها من البؤس يشبه باطن أقدامها

وكفين مثل العريضة محفورين بالآمها

بابلغ مما تقول اللغات

تقول له: سيدى قد وصلت ومابى سوى ان ترانى وترضى

اتيتك من آخر الأرض أقطع أرضاً- بغير دليل واذرع ارضا

واحتمل الجور والإفتئات

وكل عسير سوى أن أضيّع فرضا

وها أنا يا سيدى هاهنا لديك

وتبكى فيسقط عنها القناع

وتهوى على التراب خامشة تتراعش فى صرعة والتياع

كجارية نهش النوءُ منها الشراع

تغوص وتطفو على لُجة ، ويدفعها الموج دفعا لقاع

تقول وتخبط قبضتها الصخر:

ها أنا ذي قد وصلت ، وصلت

وينقطع القول عنها، تتمتم تبحث عنه وتلهث ثم تترجم..

تمسك بعضا وتفلت بعضا

ويعوزها فتشير كبكماء تنزو المشاعر فى قلبها كالدخان

تدمدم، تهنف بالعبرات بغير لسان

تسلسل بالدمع قصة ذاك الصراع

وتجهش فى حرقة تغتلى بالمعانى

ومن بين كل الالوف الوقوف

يرى الله سوداء جاثية في اتضاع

بلا هيبة او متاع

يرى الله إمراة أجنبية

بها عجمة وعييه

دميمة وجه يداس عليها وينهرها القوم في غلظة : اغربى يا وليه

تغمغم أعينها بالدموع ينابيع فى الصخر ثرة

وبها لهفة وتلاش عميق وبعض اكتئاب وبعض مسرة

كنفخ على البوق فى موطن سحيق بليل عميق ضنين الشعاع

وقد رقص القوم من أهلها..نشاوى ، ولكنهم في ضياع

دُمى في ضلالتهم سارحون

أسارى وفي قيدهم يمرحون

تقول: الهى تركت اليك العشيرة إذا انت اهلى وجاهى

قصدتك عبر الخُطوب الدّواهى

شققت اليك الفلا والضياع

أتيتك ظامئة في الظماء، أتيتك جائعة في الجياع

أتيتك يسخر بى الساخرون

اتيتك يمكر بى الماكرون

أتيتك عبر اغتراب مذل أهان به تارة وأهون

وها انا يكفىبانى لديك ، وانى هنا يا عظيم الرجاء

وانى انتصرت على شح نفسى ، وانى انتصرت على الآخرين

وانى ركبت اليك الملامة

لانك انت المنى والسلامة

وانى على قدميك ارتميت وانت الكريم، فهب لى كرامة

ومر ما تشاء.

***

ومن كل راكب سبّاحة فى الفضاء

ومن هو أعتى من الأعتياء

ومن عاج يبحث فى سوق مكة عن بيعة او شراء

ومن جال فى موكب الفاتحين

ومن كل ابيض خد نضير ومن كل فاغم عطر بدين

ومن دون كل الألوف الوقوف

صفوفا وراء صفوف

ومن دون طائف بيت وساع

يراها ، ويعرفها ، ويهش لها

ويخاطبها باسمها وهو احفى بها

انهضى يا فلانة انى اليك امد الذراع

سمعت الذى قلته والذى لم يوات

وما هو من ذاك أخفى

يناغم لطفا ، صلاة وزلفى ، وحبا تخفّى

فازهر كاروض بالحسنات

وما كنت وحدك حين صبرت ، وحين انتصرت ، وفى الامتحان

وفى الليل بعد البلاء الرهيب ، وحين طغى ظالم وأهان

وإذ نهروك واذ شتموك واذ تركوك بغير امان

وحين بكى الطفل يوم بكيت وقد مات والده فى الطريق إليّ

وفى البحر إذ أوشك الموج أن يحتويكم

فلم تجزعوا واتكلتم عليّ

وإذ ظل قلبك تلقاء مكة ، يسبح فى النور والناس غرقى سديم

يخاطبنى بالذى يستطاع وذاك العصيّ الذي لا يواتى

تقطع كالبرق فى صلوات

كمطلع شمس وراء الشموس بايماضة فى الزمان القديم

هنيئاً..

ويرفعها قربه في النعيم المقيم

بما صبرت في حياه الجحيم

إنها الحاجة
 
أعلى أسفل