خواطر وانطباعات «ديوان الشاعر خليل عجب الدور»

ضى القمر

:: كــاتبة نشــطة ::
#1
ديوان الشاعر خليل عجب الدور: خواطر وانطباعات
«1-2»
بقلم د. خالد محمد فرح

::::
سعدت في صبيحة اليوم التالي لوصولي إلى الخرطوم خلال الاسبوع
الاخير من شهر نوفمبر 2005م المنصرم، بعد فترة غياب عن ارض
الوطن دامت قرابة العامين بلا انقطاع نسبة لظروف العمل خارج البلاد،
سعدت بحضور جلسة مدارسة في ديوان الشاعر والمربي الفاضل الاستاذ
خليل محمد عجب الدور الهواري، نظمها بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم
معهد البروفيسورعبد الله الطيب للغة العربية بذات الجامعة.

تحدث في الندوة نفر كريم من الاساتذة الاجلاء هم الدكتور أحمد محمد
البدوي، والدكتور الحبر يوسف نور الدائم، والاستاذ محمد الواثق مدير
معهد عبد الله الطيب للغة العربية، ونائبه الدكتور الصديق عمرالصديق،
والاستاذ البشير سهل جمعة وزير التربية المكلَّف حتى ذلك الحين بولاية
القضارف، والناقد المسرحي والباحث المعروف، كما تحدث - بالطبع-
المحتفى به نفسه الشاعر خليل عجب الدور، وتعاقبت كوكبة من الاساتذة
والطلاب على انشاد بضع قصائد للشاعر خلال الجلسة، بينما تولى
الدكتور سعد عبد القادر تقديم فقرات الندوة.
ولد الشاعر خليل محمد عجب الدور الهواري بمدينة القضارف، واكمل
تعليمه الاولي بمدرستها الاولية الاميرية في العام 1928م، وفقاً لما
جاء في مقتطف سيرته الذاتية المنشورة على الغلاف الخلفي لديوانه
الصادر في العام 1997م، الذي تفضل اخي الاستاذ بشير سهل
بإهدائي نسخة منه. وعلى ذلك، فان من الممكن ان يكون هذا الشاعر
قد ولد في حوالى سنة 1917م او قبلها بقليل، ويكون عمره، بناءً
على ذلك قد ناهز الآن التسعين عاماً، اطالالله بقاءه.
سمعت باسم الشاعر خليل عجب الدور لاول مرة او قرأت - لا اذكر
الآنعلى وجه الدقة- في الثمانينات من القرن الماضي، وقد ارتبط اسم
هذا الشاعر منذ تلك المرة الاولى، بابيات طريفة له في وصف عصيدة
صنعها لنفسه، وهو معتزب بالخلاء، في فيافي القضارف وسهولها
الطينية الخصبة، حيث الزراعة، زراعة المشاريع إبان فصل الخريف،
وما أدراك ما فصل الخريف في تلك النواحي، يقول خليل عجب الدور
في تلك الابيات:
ولقمة من دقيق الدخن دافئة * الذ في الطعم من قراصة الفيني
صنعتهابيدي في الصاج لينة * كأنما صنعت في دوكة الطين
مــلاحــها ويــكـة لايــوقـة وبـها * ملح قليل وفيها فص عطرون
فوقر في نفسي منذ ذلك الحين انه ربما كان هذا هو بالضبط، الشعر
السوداني النكهة والمذاق، او «السودانوي» كما يُقال هذه الايام،الذي
كان يبحث عنه الشاعر والناقد حمزة الملك طمبل منذ عشرينيات القرن
الماضي، ويحض شعراء زمانه على ان يصطنعوه، وجاء من بعده
شعراء الحداثة، وعلى رأسهم محمد المهدي المجذوب، ومن ورائه
رواد مدرسة الغابة والصحراء كي يتأسوا به وينسجوا على منواله،
على الاقل من حيث الاطار النظري العام.
بيد انني احسست في هذه الابيات -على ما فيها من روعة فنية، وسلاسة
طبع، وحسن ترسل احسست نوعاً من الهزل و«الحلمنتيشية» التي
من شأنها ان تؤثر على لغة الشعر من حيث هو فخامة في الشكل
والمضمون معاً، مما يشيب ضرورة توفر شئ من الجدية في الاغراض،
والاساليب، والالفاظ الشعرية، في غير ماحوشية متنطعة، ولا ابتذال
مسف، ألم تر كيف ان شاعرين عباسيين هما «ابن حجاج» و
«ابنسكرة الهاشمي» مثلاً، كانا مجيدين غاية الاجادة فنياً، ولكن غلبة
العبث على مواضيعهما قد اثرت سلباً على سيرورة تراثهما الشعري؟
غير ان حلمنتيشية أبيات عجب الدور المذكورة، قد جاءت عفو الخاطر،
فهي مستملحة جداً في موضعها الذي وردت فيه،كما انها لا تسم عامة
شعره.
ثم اني شهدت في اواخر التسعينات من القرن الماضي،مجلساً للعلامة
عبد الله الطيب رحمه الله، القى على مسامعنا خلاله جملة صالحة من
أشعار خليل عجب الدور بمتعة واعجاب كبيرين، ثم انه اثنى على ذلك
الشعر ثناء طيباً،وحسبك بذلك شهادة من عالم ولغوي وناقد وشاعر
ذواقة فذ.

أول ما اود ان ابدأ به هذه الخواطر والانطباعات، هو تعليق مقتضب
على لقب هذا الشاعر:«عجب الدور» وهذا الاسم العلم، هو من الاسماء
المركبة تركيباً اسنادياً، ومثل هذه الصيغة في اسماء الاعلام في
السودان، شائعة بصفة خاصة في قرى كردفان وبواديها كما لاحظت.
فمن بين تلك الاسماء بالنسبة للذكور مثلاً: فرح الدور، وفرح الصاحب،
وعجب الصاحب، وضي النور، وفرحنا، وعجبنا، وصباح النعمة،
والضواها، وضي النعيم... الخ.
وبالنسبة للإناث: ست الدور، وست ابوها، وعجبتينا، وسريتي... ألخ.
اما كلمة «الدور» التي تظهر في آخر هذا الاسم المركب، فتعني
«الفريق» او الحي من أحياء البدو الرحل. فكان معنى هذا الاسم هو ان
هذا المولود قد اعجب الحي مولده، وكلمة «الدور» السودانية هذه
تقابلها لفظاً ومعنى كلمة «الديرة» المنتشرة بكثرة في لهجات الخليج
العربي المعاصرالى يوم الناس هذا، ولفظة «الدور» تأتي ايضاً في
بعض اللهجات العربية المعاصرة مثل العامية المصرية، وحتى السودانية
كذلك، بمعنى الجيل «او الانداد والاتراب»، ومن ذلك قولهم: -
فلان ده من دورنا.. بمعنى من اترابنا او في نفس سننا.. وبهذا تكون
ست الدور و«ست الجيل» بمعنى واحد.
ويبدو ان اسرة الشاعر خليل عجب الدور تعود بأصولها الى كردفان، ولا
ينبغي ان يكون ذلك مستغرباً. ذلك بان معظم «هوارة» السودان وهي
القبيلة التي ينتمي اليها شاعرنا، انما يقطنون في كردفان. فمنهم بدو
ورعاة إبل، ومنهم مزارعون قرويون ومنهم سكان حضر، حيث يوجدون
في مدينة الابيض وغيرها من المدن الاخرى.
ويؤكد الشاعر نفسه كردفانية أصله صراحة عندما يقول في قصيدته:
-«كردفان أم الأبطال» بصفحة «76» من الديوان:
رعى الله ربى كردفان ومن بها * وباكرها غيثمن المزن هاطل
وبارك في ارض الابيض انها * مدينة خير اهلها السمرفُضَّل
هـنالك ارحام لنا واواصـر * قديمة عهد ليس بالبين تُفصل
كما صرَّح الشاعر بتلك الارومة الكردفانية مرة اخرى في قصيدته:-
«في مدح البرعي رجل الزريبة» وذلك حين يقول:
اقبل هدية شيخ شوقه لكمو * مهما تعاقبت الايام متصل
لهالقضارف سكنى والابيض مع * ود اب صفية آباء له أُول
واما ود اب صفية المذكور فهوالشيخ بدوي ود اب صفية، من اولياء
مدينة الابيض واعيانها المشهورين. نبه ذكره في عهد الحكم التركي -
المصري، حيث اسهم اسهاماً واسعاً في نشر الاسلام في جبال النوبة،
ولفرط شهرته، ارتبط عند اهل كردفان باحد امثالهم الشهيرة، وهو
قولهم: - انت قاعد في اللبيض وما بتعرف ود اب صفية؟!
وقيل إن الشيخ بدوي هو اول من قال:
«نحن قبيل شن قلنا، ما قلنا الطير بياكلنا»؟ فاطلقها مثلاً.

شرع خليل عجب الدور في نظم الشعر منذ ان كان طالباً بالمعهد العلمي
بام درمان في ثلاثينات القرن الماضي،بيد انه لم يوفق في جمع ديوان
شعره في مخطوطة واحدة، إلا في العام 1997م، وهوالديوان الذي
صدر في العام 2002م تحت عنوان: «خواطر ومشاعر» ضمن
سلسلة «إبداع المعلمين» التي تولت اصدارها وزارة التربية بولاية
القضارف، باشراف وزيرها الهمام،والمثقف الملتزم، الاستاذ البشير
سهل.
وبمناسبة الحديث عن المعهد العلمي، فقد نبَّه الاساتذة الذين تحدثوا في
الندوة، وخصوصاً الدكتور احمد محمد البدوي، على ان شعر خليل عجب
الدور، ينم عن إيمان، ونفس مطمئنة ويقين على خلاف أشعار مجايليه
بالمعهد العلمي وغيره، التي غلب على كثير منها الشك، والحيرة، وربما
التهتك والمجون في بعض الاحيان.
ثمة ملاحظة جوهرية في تقديري على شعر خليل عجب الدور، ألا وهي
انه شعر يحتفي بالزراعة أيما احتفاء حتى لربما جاز لنا ان نسميه
«شعراً زراعياً» اذا صحت هذه التسمية.
ولا يقتصر شعر خليل عجب الدور على التغني بالزراعة في مجتلاها
الجمالي، وما تبعثه خضرتها في النفوس من مشاعر البهجة والإنشراح
فحسب، وهوامر خاض فيه الشعراء قديماً وحديثاً، داخل السودان
وخارجه، إذ استوحوا من مرائيها صوراً بديعة استخدموها في وصف
المحبوبة خاصة.
فمن بين تلك التشبيهات التقليدية المستوحاة من عالم الزراعة للفتاة
البضة، الخضلة، الريانة العود في السودان مثلاً،وصفهم لها بأنها مثل:
«قصبة مدالق السيل»، يعنون القصبة من الذرة التي تتدالق السيول
على مغرسها كي تسقيها، فهي ريانة دوماً، ومخضرة ونضرة أبداً.
فشعر خليل عجب الدور يفيض بمثل هذه الصور البلاغية الجمالية
المستقاة من دنيا الزراعة، ومن ذلك قوله في قصيدة «قضروف سعد»
بصفحة 42 من الديوان ما يلي:
قضروف سعد في الخريف جمالها * حيث السهول الخضر حيث جبالها
ظهرت لنا رأد الضحى مخضرة الساحات * اثرفي القلوب جمالها
الزهر فواح الشذى هو عطرها * والعشب نضَّاح الندى سربالها
غير ان شعر خليل عجب الدور يتميز من حيث الأغراض، بصفة مميزة
هي انه يمثل مرآة صادقة تعكس ادبيات تراث الزراعة «الآلية»،
اعني زراعة المشاريع، وماتستدعيه الى الاذهان من معسكرات،
و«تايات» و«تكال» و«كنابي» للمزارعين، ووصفات الـ «بني كربو»
و«الكجيك» اي السمك المجفف، المرتبطة بمشاريع سمسم والحواتة
في شرق السودان، وهبيلا وكرتالة بجبال النوبة، والجبلين وبوط
والدمازين والرنك وملوط وغيرها بالصعيد والجنوب، وعمليات اجتثاث
الاشجار من اصولها، او ما يعرف بـ «امبحتي»، والغلا الوفيرة التي
تنتج بكميات تجارية كبيرة من محاصيل الذرة والسمسم متجاوزة أبعاد
ما يسمى الاقتصاد الكفائي Subsistence Economy، الى
آفاق النمو الانتاجي، الذي يغل فوائض كبيرة قابلة للتسويق.
وذلك هو ما يصوره الشاعر خير تصويرفي قصيدته: «قضارف الخير»
الواقعة بصفحة 40 من الديوان، حيث يقول:
قضارف الخير زاد الله نعمتها * ونج محصولها من كل آفات
تجمع الناس فيها من ابي زبدٍ * غرباً ومن كسلا شرقاً وسنكات
قد مارسوا الحرث بالوابور فامتلأت * كل المخازن من حمل السفنجات
والسفنجات -كما هو معروف في السودان حتى الى زمان قريب- هي
جمع «سفنجة»، وهي تسمية «سودانية لضرب من الشاحنات
البريطانية الصنع من طراز «بدفورد».
ومن ذلك قوله ايضاً:
وسرت مبتدراً للزرع في نفرٍ * من المساليت هم نصف الثلاثين
من كل من اسمه موسى بن ابكرٍ * ولد اساغة او موسى بن هرون
هذا هو شعر في منتهى الواقعية، الا انه يبلغ قمة الواقعية والصدق
الفني، وصدق الانتماء الاجتماعي في قصيدته «مزارع يخاطب
مزرعته» المنشورة بالصفحات 46-48 من الديوان حيث يقول:
يا حبذا كوخ البلاد الضيق * المتواضع المتراجف الميَّال
يا ساكن الكوخ الحقير معذَّباً * بالزمهرير تحوطك الاوحال
متجشما ما لايطاق من الاذى * لا شل زندك ايها المفضال
لا تزهدن هناك زادك من بني * كربوالفطير تعوسه العمال
وشرابك الماء المرنق او * منامك في الثرى وفراشك الشوال
لا تحسبن السعي منك سفاهة * فالسعي للرزق الحلال حلال
ان الزراعة وهي اشرف مهنة * والعاملون بها هم الابطال

يتــــــــــــــــــــــــــببع ~ ~

 

ضى القمر

:: كــاتبة نشــطة ::
#2
«2-2»

أمَّا كردفانية اصل الشاعر التي افترضناها ابتداء، والتي دللنا عليها من
بعد بشواهد من شعره نفسه، فتنم عنها من ناحية اخرى، الفاظ محددة
وردت في قصائد الديوان، هي بلغات عرب كردفان اشبه منها بلهجات
عرب البطانة والشرق عموما حيث ولد الشاعر وترعرع.
فمن ذلك قوله في قصيدة «مزارع يخاطب مزرعته»:
يا جارة الصفار عز المال
صبرا عسى تتحسن الاحوال
بالامس كتبت «سراية» واليوم
من بعد «الانيس» جنى عليك النال
فقوله «سراية» هو قطعا من القاموس الكردفاني. ذلك بأن السراية
على وزن «الدواية»، عند اهل كردفان، هي المزرعة او «البلاد»
التي انهكتها الزرعات المتواليات حتى اذهبت خصوبتها.
ويصفونها فيقولون: «سراية ضهرها مقطوع». وهي بعكس «البورة»
على وزن «الصورة»، التي تكون معشبة خصبة. وهي التي عنتها
الغناية بقولها: «زارعنو في البورة وواطاتو ممطورة الخ».
اما «النال» المذكور في البيت الثاني فنعرفه، ولعله ان يكون من
المشترك اللهجي اذا جاز التعبير، اذ سائر اهل السودان يعرفونه بهذا
الاسم. وهو نوع من القش، يكون طويلا، وغليظا نسبيا، اغلظ من
انواع القش العادي، وارفع من قصب الذرة والعنكوليب والبوص. وهو
رشيق وله رائحة زكية، تبنى به السقائف اي «الرواكيب».
ولكنني لا اعرف ما «الانيس» ولم اسمع به من قبل، ولعله نوع من
انواع القش التي تنبت في ارض البطانة.
وقد جاءت هذه اللفظة «سراية» بعينها على الجمع،في بعض شعر
الشيخ عبد الرحيم البرعي عليه رحمة الله، وذلك حيث يقول في
قصيدته الشهيرة «كنزي ونوري»:
صلاة من باعث المقبور
له عد رمل السرا والبور
فكلمة «السرا» هنا، وهي بسين مشددة مكسورة، وليس «السرا»
بسين مشددة مضمومة كما سمعتها من بعض مداح «الاورغن»
و«الكي بورد»، هي جمع «سراية»، على وزن «دواية» كما
اسلفنا، ومعناها المزرعة الرملية التربة، القليلة الخصوبة كما تقدم.
ومن بين تلك الالفاظ الكردفانية التي خطها يراع الشاعر ايضا، قوله في
قصيدة «بطن الوادي»:
اذا عمر «الضرا» ظهرت جفان
واطباق ملونة شكول
فـ «الضرا» في كلام اهل كردفان، هو بقعة منبسطة في وسط الحي او
القرية، يجتمع فيها الرجال في العشيات خاصة للأنس والسمر، وتناول
طعام العشاء، او افطار رمضان في جماعة. وقد يكون «الضرا» ايضا
تحت ظل دوحة كبيرة، او داخل «راكوبة واسعة» اذا كان الوقت ضحى
او عصرا.
وثمة لفظة كردفانية اخرى هي كلمة «مليل»، على وزن «دليل»،
وردت في ذات القصيدة، حيث يقول الشاعر:
وفي زمن الحصاد قبيل تعري
وتيبس بعد خضرتها السهول
يطيب لنا «الدكاك» ويطبينا
فريك الدخن حلوا والمليل
فقوله «المليل»، هو اسم مفعول مثل قتيل، وهو عبارة عن حبوب
الذرة التي دفنت سنابلها تحت الملة، وهي الرماد الحار، وهي لفظة
عربية فصيحة. حيث يعمد الى تلك السنابل فتفرك منها الحبوب، فإما
ان تؤكل حارة طازجة كعيش الريف، وذاك هو «الفريك» واما ان تفرك
من سنابلها، وتترك لكي تجف، وعندئذ تسمى «مليل» ثم تحفظ لكي
تصنع منها البليلة في رمضان. وبليلة «المليل» بالسمن وقليل من
السكر، او بلحات «مفقشات» فوقها، ليس كمثلها شيء!
كما قال الجاحظ في صفة طبيخ الباذنجان، قال أبو عثمان: «والباذنجان
بلحم الضأن ليس كمثله شيء».
وسائر شعر خليل عجب الدور ينم عن روح مرحة حلوة، وبهذه المناسبة أرى ان قصيدته «حديقة الحيوان»، مما يصلح ان يقرر على تلاميذ
المدارس. ذلك بأن فيها تصويراً فكاهياً لمشاهد حديقة الحيوان،
وحوارات مرحة «سودانوية» اللغة والروح من مثل قول الشاعر
وهو يخاطب الفيل:
والفيل، بئس الفيل
منتفخ ثقيل
ضخم لهزلومة
طويلة مخرومة
جاءت به الحكومة
من غابة معلومة
يا صاحبالفرطلة
هيا معي للحلة
لكي يراك الناس
وهل هناك باس
فقال لي: الكلاب
والناس والحراب
الخ الخ..

وبقى ان اذكر في ختام كلمتي هذه، ان هذه الطبعة من ديوان «خواطر
ومشاعر» للشاعر خليل عجب الدور، قد شابتها بعض الهنات والاخطاء
الاملائية، والعروضية، واخطاء اخرى تتعلق بضبط شكل الالفاظ، مما
يستوجب مراعاة ذلك في الطبعات القادمة بإذن الله، حتى يصل هذا
العمل الرائع الى قراء العربية في السودان وخارجه، في أحسن صورة.
فمن بين تلك الاخطاء التي وقفت عليها في هذه الطبعة:
في القطعة الشعرية بعنوان: «توطئة»، في صفحة 6، كتبت كلمة
«راس» بهمزة قطع هكذا:
ليس الخواطر إلا كل طارئة
من الأحاسيس بين القلب والرأس
والصواب هو ان تكتب بدون همزة لكي تقرأ (الراس) تماماً كما في
العامية، وذلك لكي يتوافق مطلع القصيدة مع سائر ابياتها، مثل
البيت الذي يلي هذا المطلع وهو قوله:
اني أحس بأفكار موزعة
لن استطيع لها كتماً كأنفاسي
في القطعة «إلى ا لقراء» صفحة 7:
هو لون صادق يعرب عن أدب فيه غذاء للعقول
كلمة «أدب» كتبتب كسرة واحدة فقط، والصواب هو أن تكتب
بالتنوين بكسرتين (أدب).
في قصيدة «ذكرى استقلال السودان» كتبت كلمة «أضناهم» في البيت الذي يذكر فيه الشاعر داء الشقاق ، واختلاف الكلمة المزمن في السودان،
هكذا:
أضناهم داء التفرق حقبة
مرت بكل مساويء لا تحصر
وكان ينبغي اشباع ضمير الجماعة «هم» بإضافة رسم الواو إليه،
لكي تصير الكلمة «أضناهمو»، حتى يستقيم البيت عروضياً.
وقد لاحظت ان هذا الخطأ مضطرد في سائر الألفاظ المشابهة بالديوان.
فمن ذلك مثلاً كتابة البيت التالي من قصيدة «شعب غيور ومناضل
جسور» المنشور بصفحة 28، هكذا:
وعليكم بالحزم في كل الامور
به كلل بالنجاح المطلب
وبهذه الكيفية يغدو البيت مكسوراً من ناحية الوزن. ولعل ما خطه
الشاعر ابتداء هو:
وعليكمو بالحزم في كل الامور
به تكلل بالنجاح المطلب
باشباع «عليكم» بالواو، واستخدام الفعل اللازم المبني للمعلوم،تكلل،
بدلاً من الفعل المبني للمجهول كُلل، وذلك حتى يسلم البيت عروضياً.
قلت: وهذا الاشباع بالواو في بعض الألفاظ، مما تلجيء إليه ضرورة
الوزن الشعري عادة، وهوبعد حلو ومستساغ في الأذن.
ولعل من المناسب ان نذكر في هذا المقام، ان المادح المبدع الشيخ
حياتي الحاج حمد، قد استخدم هذه الصيغة بصورة بديعة محببة في
مدحته:
«نم يا فمي ليهم بشكر السادات
أصحاب الرسول الشققوا الخودات»
وذلك حين يقول في وصف النبي صلى الله عليه وسلم:
وين شبه الرسول في المرسلين جمعاً
فاقُم في الخَلِقْ والخُلْقِ ساد قطعاً
وأحلاهُمْ كلام واحلاهمو طبعاً
وازكاهم فعلوأطيب أصل فرعاً
واسناهم فخر واكتر تبع سمعاً
ميزان ارجحم واحسنهمو صُنعاً
هذا، مع ملاحظة أن هذه المدحة هي أساساً باللهجة العامية السودانية،
فحسنت هذه المجاوزة جداً بين الاسلوبين العامي والفصيح في قصيدة
واحدة، كما نم هذا الصنيع عن ثقافة الشيخ حياتي، وسعة علمه،
وسلامة حسه الموسيقي.
وذاك هو في رأيي مماحدا بالاستاذ الدكتور عون الشريف قاسم الى ان
يقول في تصديره لديوان الشيخ حياتي حول هذه الخاصية من خصائص
شعر الشيخ حياتي ما يلي: «والشيخ حياتي - مثله في ذلك مثل حاج
الماحي - يصدر عن علم عميق بالعربية وبعامية أهل السودان، وتتبدى
ثقافته في هذا المزج العبقري بينهما في ديباجة بديعة النسج يقوم فيها
العامي والفصيح في بنية الشعر، بما تقوم به اللحمة والسداة في بنية
النسيج» أ.هـ.
ونحن واجدون هذه «الواو» المضافة أيضاً، في لفظة وردت في أحد
أبيات قصيدة وطنية شهيرة، هي أغنية «أنا سوداني» للشاعر/ محمد
عثمان عبد الرحيم، التي يؤديها المطرب الكبير حسن خليفة العطبراوي،
وذلك حين يقول:
وكثيرون في «صدورهمو»
تتنزى الأحقاد والإحن
ولو أنه قال «صدورهم» بدلاً عن «صدورهمو»، لجاء البيت
«أشتر شتارة تضرس»
والله أعلم
 
أعلى أسفل