تجربتي مع النشاط الطلابي

جون كينغ

:: كاتب نشط::
#1
إبان حقبة التمكين الكيزاني السرطاني جاء إلينا في المدرسة أحد كيزان القرية التي كنت أعمل فيها معلماً لمادة اللغة الإنجليزية، بصفته مسؤولاً عن النشاط الطلابي الذي كنت أعتبره الذراع الأمني لحزب المؤتمر الوطني للتجسس على المعلمين، وكتابة التقارير السرية عن المعلمين بخصوص توحهاتهم السياسية، خاصة المعارضين منهم ومن ينتمون إلى تنظيمات سياسية مناوئة.
تحدثنا باستفاضة في كل شيء تقريباً، بدءاً بالتعليم ومشاكله والسياسة كعادة الشعب السوداني، أثناء حديثنا هذا ذكر لي عَرَضاً أنه توجد في وزارة التربية والتعليم فرص تدريب لمعلمي اللغة انجليزية الذين لهم معرفة وإلمام بالكمبيوتر، وأنت مستوفٍ للشرطين، لكنك ما من "جماعتنا" - كان يقصد الجماعة إياهم الذين أوردوا السودان مورد الهلاك - سكت مدة ولم أعقب على حديثه - تحسرت جداً وقلت لنفسي: ماذا يضير السودان و "الجماعة" لو تم اختياري للتدريب لأتعلم وأعلِّم التلاميذ ثم أفيد زملاء المهنة ويستفيد الوطن كله؟!
لم أكن راضياً عن هذا التصرف الذي لا يمت للأخلاق والإنسانية بصلة، وقلت في تعبير ينم عن الغضب الداخلي من هذا التبرير: "أها خموا وصروا"، وهنا لا أزكى نفسي بأنني الوحيد الأكثر كفاءة وتأهيلاً، ولا شكسبير زمانه، أو حواء السودان لم تنجب مثلي، ولا الوحيد الذي يستحق هذه الفرصة، فالسودان مليء بكفاءات تسد عين الشمس. تألمت جداً لوطني أولاً ولأبنائه، وقلت في نفسي هنالك آلاف من الحالات التي تشبه حالتي.
طبعاً خسرت المنطقة الفرصة لعدم وجود معلم ينتمي للفئة الباغية بالمواصفات التي يريدونها. وإذا كان الكيزان يخشون على التلاميذ من المعلمين المعارضين لنظام المخلوع عمر البشير بأن يُكرِّهونهم في نظام المخلوع فالتلاميذ أدرى وأوعى مني ومنهم بعمائل البشير وزمرته مثل طردهم من المدارس وحرمانهم من الإمتحانات بسبب الرسوم، وفصل الجنوب والحروب العبثية مثل حروب دارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق، والغلاء الطاحن. إذن كل الظروف مواتية للتلاميذ أن يناهضوا النظام البائد، وكما يقال اليتيم ما بوصوه على البكاء.
ثم ثانياً طول فترة عملي في مجال التدريس لم استغل منصبي لأنشر فكر أؤمن به أو أدعو التلاميذ للإنضمام إلى جهة سياسة أنتمي إليها. كان هؤلاء الكيزان يفعلون مثلما كانت تفعل محاكم التفتيش (Inquisition) في أوروبا في القرون الوسطى إذ يحاكمون الناس على افكارهم ونياتهم بتهمة الهرطقة، هرطقتي الوحيدة أنني لم أطبل لهم يوماً واحداً ولم أكن من مجموعة الـ ass kissers ولاعقي الاحذية.
أعلنت ذات مرة وزارة التربية والتعليم بولاية الجزيرة بأنه توجد فرص مدفوعة بواسطة الوزارة لتحضير الماجستير في داخل السودان وخارجه، لم أتردد وقمت ومعي زميل آخر بالتقديم ولسوء الحظ لم يتم استيعاب أي واحد منا - طبعاً أنا كنت متوقع النتيجة - لكن أحزنني أن زميلي كان مستوفي لكل شروط المنحة الدراسية أكثر مني، وعلمت لاحقاً أن الفرص منحت للجماعة إياهم. عندما حكيت لزميل آخر القصة قال لي: (أنت وأستاذ فلان قدر ما تلقو ليكم فرصة في الحكومة تكتحوها بمناسبة وبدون مناسبة وقدام ناس المؤتمر الوطني، وبعد دا كله دايرين يشيلوكم في الماجستير ؟).
لم استمر طويلاً في التدريس بعد هذه الحادثة، غادرت السودان إلى دول الخليج، وبعد تحرير السودان من عصابات المؤتمر الوطني فكرت في العودة إلى مجال التدريس مرة أخرى، لكنني تفاجأت بأن ملفي الذي يحتوي على كل أوراقي الخاصة بالوظيفة وسنوات عملي قد ضاع وذهب مع الريح. جرت محاولات "ابتزاز" لحل مشكلة الملف الضائع، إلا أنني لم انتظر فوليت وجهي مرة أخرى نحو دول الخليج العربي.

شكراً_حمدوك
عبد الرحمن حسبو
الشارقة /UAE
٢٦/ديسمبر/٢٠١٩م
 
أعلى أسفل