تباريح العصافير المهاجرة | منتديات الراكوبة

تباريح العصافير المهاجرة

الموضوع في 'الرواية والقصة القصيرة' بواسطة عبد الناصر ميرغني, بتاريخ ‏يناير 28, 2017.

الوسوم: إضافة وسوم
  1. عبد الناصر ميرغني

    عبد الناصر ميرغني :: كاتب نشـــط::

    إنضم إلينا في:
    ‏مايو 6, 2011
    المشاركات:
    300
    الإعجابات المتلقاة:
    1
    نقاط الجائزة:
    18
    كان أهل الناحية يسمونها الواحة الكبيرة , ولم تكن تختلف عن غيرها من الواحات المتناثرة حولها , سوى في لعنة المنشآت الحكومية التي غرست فيها , كمحاولة ؛ لمواراة سوءات أكوام النخيل التي شاخت , وتهدلت , وربط ماض كانت سماؤه زاهرة بالنجوم النابضة , بحاضر شمسه مستعارة من عوالم ألهت نفسها , وتصلبَتْ تماثيلَ على الأولمب , شائهة لا تبصر عَوَج رقبتها ؛ ولتشكل فسيفساء الفوضى مع البيوت القديمة , التي بنيت من قطع الحجارة الصغيرة وملاط الطين والجير , والسوقِ القديم المتهالك الذي تناثرت محلاته كيفما اتفق , بُني بعضها بالصفيح , وبعضها بالطوب الإسمنتي , وبعضها كان مجرد أعمدة نشرت فوقها ملاءات أو بطانيات قديمة , تلاقح في ماضيه الذهب والعاج وريش النعام والقمح والشعير ومشغولات الأيدي الناعمة , بينما تتناثر في محلاته الآن تفاهات بائسة , لا تشبع بطنا ولا عقلا .
    شارعان مرصوفان متقاطعان من مخلفات الغزاة الأخيرين , ما بقي فيهما من الأسفلت أقل مما تآكل واختفى , مصحة شبه مهجورة يمارس الموظفون والعمال في ردهاتها تكسير الوقت , بالتمارض والتسكع ولعب الورق والـ (السيجة) , لمصلحة الخرافات والمشعوذين وضاربات الودع , ومدرستان يدخل إليهما الصغار بأعين تتقافز منها طيور مغردة , ويتخرجون فيها برؤوس تنفث دخانا يهوم حولها كالعمائم أينما ساروا , بينما يتخذ الرمل متكأ له تحت كل جدار وجذع .
    كانت الواحة غانية عجوزا , تسكعت في كتب الرحالة والخرائط القديمة , داعبت رؤى الرُّحَّل والمغامرين , والمطاردين بسيوف الأباطرة وأنصاف الآلهة , عاشرَتْ كل أنواع الغزاة , من الشمال والجنوب والشرق والغرب , امتصت رحيقهم , ومسحت كل المعالم التي كانت تميزهم , جاؤوها منتفشين بريش النسور؛ فدجنتهم , فأدمنوا ظلالها وطلاسم تعرجات رمالها ؛ ليستحيلوا جرادا , يعيش على بقايا نخلات جرباء تشرب من ماء آسن , وتلوح بأيديها بيأس منادية طيورا هجرتها ؛ لتلتقط القمل الذي غزا شعرها الشائب , أصبحت الواحة غانية بائسة , حين داست عليها جحافل الزمن اكتفت بالفتات , ببعض المرتزقين من التهريب , والغرباء الذين لفظتهم سنوات المحل , ومَضاضة ظلم ذوي القربى , وتكلس الأحلام في حوصلات المواعيد , التي تتوهج في الليالي كالنجوم , وتتبخر في الصباحات كالسباخ ؛ لتترك وراءها مرارة الملح ولذعاته .
    كنت أنا وزملائي نمارس ما وكلنا به , من حشر قطع من أشياء مستوردة عفا عليها الزمن , لفظتها كواكب أخرى مداراتها وراء البحار , بزعم أن تورق , أو تتوهج وسط الفسيفساء الشائهة لماض متآكل , وحاضر إلى نضوب , كنا نمارس الترميم والترقيع , والشكوى لأولياء الأمور من تحليق ذراريهم خارج السرب , السرب الذي ضل طريقة في طلاسم الرمال , ونلعن إدمانهم لحشيشة اللامبالاة , والتسكع في لا جدوى التبلد والقنوط , كنا نلتقي في فراغ المساءات ؛ لنمارس طقوسَ الملل المزمن , المتمدد داخلا وخارجا , والسخريةَ من أقدار رمت بنا إلى هذه الفقاعة من السراب , ومن أنفسنا , ومن عالم مجنون يرقع جلده الأجرب المتآكل في عتمة الليالي الحالكة ؛ ليكتشف في النهارات أن رقعه نفسها تحتاج إلى رقع.
    وفي أحد الأصائل وحين صحونا من قيلولة الخدر وانعدام الوزن , وجدناه جالسا في صالة السكن , يطالع في ديوان شعر قديم , ويرشف كوب الشاي في تلذذ , متكئا على حقيبة صغيرة , بينما عيناه تدوران في محاولة لفهم معادلة المكان , كان فتيا في أخريات العقد الثالث من عمره , ندي العود , حليق الوجه , أنيق الملبس والحركة والحديث , عرف عن نفسه بأنه (عوض الله) من أهالي الشرق , جاء به أحد المعارف حين الْتقاهُ في المحطة , وعلم بأنه وافد جديد إلى الواحة , ومتخصص في المحاسبة , وكان سكننا هو الملجأ في مثل هذه الأحوال .
    ولم يلبث الفتى أن ملأ الجو بحيويته ونشاطه , محلقا في الفضاء الراكد بأجنحة شفافة , يصحو في الفجر طارقا على الأبواب والنوافذ , مناديا على الصلاة , يرتل القرآن بصوت أخاذ , يعد الموائد الحافلة بالأطايب من لا شيء , وفي المساءات يتحول أي شيء تقع عليه يداه آله لتوقيع الطرب الأصيل , وحين ينفرد بي في ليالي الأرق يغرد نحيبا , عن أم أدمت سبحتها أصابع لا تكل ولا تمل , وخطف بصرها صلوات بقيت معلقة بين الأرض والسماء كطيور حائرة , وأخت تنسج صوف اليأس لتستبدله بقوت الكفاف .
    حين أنشأت الواحة الشمالية فروعا لبعض الإدارات الخدمية , كنوع المنافسة العبثية لفسيفساء الواحة الكبيرة , تم اختياره محاسبا لها , فغادرنا إلى حيث يقيم هناك في منفى جديد , سماؤه لا تَنبض , وأرضه لا تُنبت .
    بعد ثلاثة أشهر , وبينما كنا مجتمعين ذات صباح شتائي كئيب حول المصطلى , إذ سمعنا طرقا عنيفا على الباب الحديدي , وإذا به مقيدا في الحديد , متسخ الملابس , مرسل اللحية , مبروم الشعر , يجرجره ثلاثة من الرجال , روَوْا لنا حكاية طويلة , بدأت عزلة وعزوفا ؛ لتنتهي سلسلة من السلوكيات الجنونية , والسباب المقذع الذي يطال الناس , والدواب , وزمنا عقوقا أصبح سافله عاليه , وعاليه سافله , كان يجلس صامتا , كل ما فيه كان ميتا آسنا , مولودا من العدم , ومرسلا إلى المجهول , سوى عينين تدوران في محجرين غائرين , تبحثان عن منفذ من حصار جاحد ... , دبر الجماعة أمر عودته عبر الحدود , إلى حيث " الأم التي أدمت سبحتها أصابع لا تكل ولا تمل , وخطف بصرها صلوات بقيت معلقة بين الأرض والسماء كطيور حائرة , وأخت تنسج صوف اليأس ؛ لتستبدله بقوت الكفاف" وانقطعت عنا أخباره .
    كنت أعتمد في تدحرجي الأعرج على مغازلة الكلمات التي لا يقرؤها أحد , والتلكؤ بين دواوين الشعر , والتشرد بين الكثبان وأكوام النخيل المتداعية , وإشارات خجولة ترسلها غزالة شاردة , تستحيل في عينيها علامات استفهام لا أملك إجابات لها , وتأفف من انتظار بدا كطريق طويلة ضيقة , تُلَوِّح في آخرها هوة عميقة بلا قرار , خمس سنوات وحوار الطُّرْش لا ينبت بادرة , ولا تُوقِد تأوهات ليالي الوحدة شمعة في آخر نفقه , كانت تنتظر إرسالا , شعاعا دافئا , وأنأ لم يكن لدي ما أرسله , كنت مفلسا تماما , مجرد طيف واه , رماد نجمة تساقط على مرآة مشرخة ؛ لينبض تأوهات فقدت دفأها , تمثال من الطين القديم تزحف في تفاصيله الشروخ , بعدد ليالي الوحدة والإخفاقات ؛ ليتساقط رمادا تزروه الرياح , فيختلط برمال الواحة , ويتخثر تحت جذوع النخيل المهترئة , ويلتصق بالجذور المتعفنة .
    حين يئسَتْ من قدَرٍ سلبي يحاصر خطواتي في متاهات الرمال المتحركة , ذرفَت قليلا من الدمع , وكثيرا من التنهدات , وتبعَتِ الرياح التي تأتي بأصوات الأمواج والنوارس ورائحة الماء المالح والأشرعة المنتفخة بقوة , كصدر فتي تجري في عروقه صهارة البراكين , حيث تختلط الخضرة بالزرقة , وضوء الشمس بخفقات الأجنحة وتأوهات العشق , حيث تبدو الآفاق مفتوحة نحو عوالم أخرى , تشرق عليها شموس ما تزال نابضة وفتية , رحلت ؛ لتبني عشها , هناك على زيتونة ما عند شاطئ البحر .
    فجمعت ركام أحلام يبسَتْ , تخدرَتْ بأفيون الشعر , وأغاني الطرب , وإشارات الغزالات اللاتي تجذبهن روائح البحر , وأصوات النوارس , والأعشاش الرغدة بين أغصان الزيتون , جمعت ركام أحلامٍ تلكأَتْ في تخوم العدم حتى انطفأت , جمعت أجنتي التي تليفت في حوصلات المواعيد التي تبخرت , تدحرجت إلى الوراء عشرين سنة , بلا حقائب متخمة , ولا تذكارات وهدايا تمد ؛ لتتكئ عليها جلسات المساءات المشبعة بالضحك الأصفر , والذكريات التي فقدت لونها ونكهتها ؛ لتفسح مكانها للأصابع التي تمد وراء الظهر , جمعت بعضا من رماد تمثالي , وانحدرت صوب النيل , بحثا عن بطاقات جديدة ؛ لأملأ أسطرها بعبث المحاولات العقيمة , بحثا عن ساعات جديدة ؛ لأذر رمالي تحت عقاربها حتى لا يدهسني الزمن المتسارع , كمذنب على موعد مع قدر , حتى لا يدهسني راكبو الدراجات النارية, وباعة الهواتف النقالة والبهجة المغلفة في الصور والأفلام المقطعة.
    وبينما كنت أمارس تلكئي الأعرج ذات زمن ما , في أحد المقاهي القديمة , التي تراخت كسلا ومللا , والنيل قد أغفى على كرسيه , كعروس تنتظر عريسا هرب في ليلة الزفاف , هناك رأيته , (عوض الله) شيخ الطرب والأطايب والدواوين القديمة , في كامل أناقته وحيويته , يتخذ من ثلة من الشباب جمهورا يحلق في وسطه خطيبا , وبينما كانت العصافير المغردة التي يطلقها تحلق عاليا , بقيت أنا تحت الظلال المعتمة , متلفعا بالصمت الناضب , أنتظر من جديد خريفا أعلم أنه لن يأتي أبدا .
    جود دائم ‏29‏/12‏/2015
     
  2. رهيد

    رهيد :: كاتب نشـط::

    إنضم إلينا في:
    ‏يوليو 27, 2012
    المشاركات:
    78
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    6
    رد: تباريح العصافير المهاجرة

    يا سلاااام...تحاياي
    .
    أسعدت صباحي أيها المصور الناظم
    لك بروح العطر...وردة
     

مشاركة هذه الصفحة