المثقف السوداني , الواجبات والتحديات | منتديات الراكوبة

المثقف السوداني , الواجبات والتحديات

الموضوع في 'الحوار العام' بواسطة ياسر ضحوي, بتاريخ ‏يونيو 9, 2016.

الوسوم: إضافة وسوم
  1. ياسر ضحوي

    ياسر ضحوي :: كاتب نشط::

    إنضم إلينا في:
    ‏يوليو 7, 2014
    المشاركات:
    45
    الإعجابات المتلقاة:
    0
    نقاط الجائزة:
    6
    إنطلاقا من المقال السابق (أزمة العلمانية في السودان) سنبدأ من بداية الصراع العلماني الإسلاموي , من الخطوة الأولى التي يجب ان نخطوها كعلمانيين في طريق انسنة السودان , المرحلة الأولى التي نضع فيها اساس الدولة الحرة الديمقراطية الحديثة والمجتمع المتعافي الذي نصبو اليه . وهنا سؤال : ما هو المنهج الذي يجب ان نتبعه كعلمانيين سودانيين لنصل الى توطين العلمانية وعلمنة المجتمع ؟ وأجيب : ان لا تكون العلمانية ردة فعل للإسلام السياسي وأن لا يكون حراكنا الثقافي والإجتماعي والسياسي تحت رحمة الإسلاميين
    بمعنى : ان الإنتماء الى الإسلام السياسي والولاء للأحزاب الدينية لا يتم بين ليلة وضحاها , فالإسلاموي قبل أن يكون زعيما سياسيا فإنه يكون معلما في المدرسة وإماما في المسجد وإعلاميا ذا جمهور واسع . والإسلاموي بمختلف اطواره وادواره التي يلعبها فإنه يؤسس لمناخ ثقافي يجعل المجتمع بيئة خصبة لفكر الإسلاميين طاردا لما سواه من أفكار ... ولنضرب مثالا من واقعنا للتوضيح
    الإسلاموي لا ينمو خطابه ولا يزدهر إلا في ظل الغالبية المسلمة , ذلك لأن خطابه يعتمد على العاطفة الدينية وعلى ما يسمونه بالعلوم الدينية ... فالإسلاموي لا ينسب اي من خطاباته او رؤاه الفكرية الى نفسه بل الى الإله وبذلك يجعلها مقابلا ومضاداً لكل ما هو بشري , والنتيجة ان هذه الأفكار تصبح مضادة للإنتقاد أو التفنيد . ويقوم الإسلاموي بتحديد معايير قبول المجتمع لفكرة او رفضها , ويعيد تعريف المفاهيم بما يتوافق مع طرحه ... فعندما يأتي العلماني ويطرح فكرة ما , لنقل مثلا أن حد الردة ضد الحرية الدينية التي هي جزء من حقوق الإنسان التي يجب أن تكفلها وتحميها الدولة ... فإن طرح العلماني سيواجه بعراقيل مفاهيمية اسس لها الإسلامويون في ثقافة المجتمع , فتوابع الإسلامويين قد تمت برمجتهم على قبول الفكرة او رفضها بناءا على ما علمهم له الإسلاموي منسوبا الى الإله ... فمهما تكلم العلماني عن ان حد الردة مخالف للعقل وأنه لا يمكن التأسيس لمجتمع متسامح ومتعايش يقام فيه حد الردة فإن كلماته ستقع على آذان صماء ... ذلك لأن حد الردة حكم منسوب الى الله , ولا يحق للعقل الإعتراض على الإله حتى لو عنى ذلك ان يكون الإله لا عقلاني وغير متسامح , فالإسلاموي يؤسس لإطفاء سراج العقل وتهميشه بأن يجعل حدود تفكير العقل هي ما يسمح به الدين وبنزع الإنسنة عن من خالف فكره ما اتى به الدين , فهو ليس انسانا يمارس حريته في التفكير والتعبير ... بل هو عدو لله وماكر يكيد بالمجتمع , يحق لنا بإسم الإله قتله وإضطهاده والتنكيل به
    عندما يواجه العلماني السوداني معضلة ان المجتمع يرفض كل ما هو غير ديني وأن العواقب وخيمة لمن يحاول الخروج خارج الأسوار التي وضعها الإسلامويين بإسم الدين فإن ردة فعلهم تجاهها تنقسم الى قسمين , الأول يحاول ان يجد متسعا لأفكاره وأطروحاته داخل النص الديني طالما أن المجتمع سيقبل افكاره طالما ان النص الديني لا يعارضها ... وهؤلاء تبوء كل محاولاتهم بالفشل , لأنهم ليسوا علمانيين بل هم إسلاميون جدد , يحاولون ان يغلفوا افكارهم العقلانية او الحديثة بغلاف ديني . وسبب فشل هؤلاء انه يتجاهلون ان الإسلاموي القديم في مجتمعه قد اسس لمنهجية معينة ثابتة وصارمة للتعامل مع النصوص والإستنتاج منها ... وهذه المنهجية يعضدها التراث الإسلامي الذي يقدسه العقل الماضوي الذي يؤسس له الإسلاموي في المجتمع . فإن استطعت ان تؤسس للأنسنة والعلمنة في النص القرآني فإنك ستفشل فيما يخص الأحاديث والتاريخ , وهذا ما يجعل هذا العلماني يساهم في تقوية الأسس الفكرية التي قام عليها الإسلاموي ثم يفشل في الإنقلاب عليه ... ما يجعله عرضة لتهمة سوء فهم الدين أو محاولة هدمه من الداخل
    النوع الثاني من العلمانيين في السودان هو الذي يمارس الحياد السلبي تجاه السلطوية الإسلامية وتعارضها مع افكاره , فهذا يطرح طرحه وهو يتجاهل بشكل تام الثقافة السائدة في المجتمع وهؤلاء يكون جمهورهم إما الصفوة او من تم استقطابهم وتأهيلهم منذ الصغر ... وهؤلاء رغم انهم كانوا في الساحة السياسية منذ وقت طويل إلا أنهم فشلوا في منافسة الإسلاميين لأنهم مهما إستقطبوا فإنهم لايستطيعون منافسة الإسلامي المسيطر على الإعلام والتعليم والمتغلغل في ثقافة المجتمع وهذا يجعل هذا النوع من العلمانيين مهما كثروا قلة في المجتمع وصفوة منزوية لا سبيل لها الى عموم الناس .
    ان المثالين السابقين قد فشلا للتأسيس للعلمانية لأنهما لم يواجها اساس المعضلة , أن اساس المعضلة هو ثقافة المجتمع المعادية للعلمانية ... إن التماهي مع هذه الثقافة ليس حلا كما فعل ويفعل العلماني الأول , وتجاهل هذه الثقافة وتجاوزها ايضا ليس حلا كما فعل ويفعل العلماني الثاني , إذا ما الحل ؟ الحل هو في التأسيس لثقافة جديدة تكون حاضنة للعلمانية وللأفكار ذات النزعة الإنسانية ... وفي تتمة هذا المقال سنضرب عدة امثلة لأوضح ما أقصده بثقافة علمانية جديدة
    المجتمع الإسلامي , مع أم ضد ؟
    في رمضان هذا العام (2016) نشرت الصفحة الرسمية للإفتاء المصري على الفيسبوك فتوى تقول : المجاهرة بالفطر في نهار رمضان لا يدخل ضمن الحرية الشخصية للإنسان، بل هي نوع من الفوضى والاعتداء على قدسية الإسلام، لأن المجاهرة بالفطر في نهار رمضان مجاهرة بالمعصية، وهي حرام فضلا عن أنها خروج على الذوق العام في بلاد المسلمين، وانتهاك صريح لحرمة المجتمع وحقه في احترام مقدساته.
    إن هذه الفتوى التي تجعل ممارسة غير المسلم لحريته الدينية ضد حرمة المجتمع المسلم يجعلك كعلماني في صدام مع مفهوم المجتمع المسلم , ما هو المجتمع المسلم وبماذا يتميز ؟ ستجد تعريفات عدة تختلف بإختلاف الإسلاميين من اقصى الإعتدال الى أقصى التشدد ... هل هو المجتمع الذي يمنع المجاهرة بالإفطار في رمضان ؟ هو هو المجتمع الذي يقيم حدود الشريعة الإسلامية ؟ هل هو المجتمع الذي يجبي الجزية من اهل الكتاب ويقتل الكافرين ؟ ووسط هذه التعريفات المختلفة والمؤسسة على تقديس النصوص وإعادة إنتاج الماضي ماذا يفعل العلماني ؟
    ان الجواب على سؤال هل انت مع أم ضد قيام المجتمع المسلم لا تكون بمع ولا بضد ... بل بنسف مفهوم المجتمع المسلم من الأساس ! فدراسة المجتمع تتم عن طريق العلوم الإنسانية والإجتماعية ونظرية العقد الإجتماعي , والعقد الإجتماعي هو نتاج فكر مجموعة من الفلاسفة منهم هوبز وجون لوك وجان جاك روسو وغيرهم . اختلف هؤلاء الفلاسفة في طبيعة الإنسان وحالته قبل المجتمعات ولماذا انشأ الإنسان المجتمعات من الأصل , ونظروا في عدة قضايا تهم المجتمع مثل حق الملكية وخلافه ... ولكن العقد الإجتماعي بإختصار يتكلم عن علاقة افراد المجتمع مع بعضهم البعض وعلاقة المجتمع بالسلطة الحاكمة , فالإنسان كفرد يفعل ما يشاء ويدافع عن نفسه ويعاقب كل معتد عليه بما يستطيع وما يراه مناسبا ... ويختلف ذلك من شخص لآخر , ولكي يواجه الإنسان الطبيعة والمخاطر المحدقة به وتزداد قوته بتعاونه مع بني جنسه تكونت المجتمعات البشرية , ولكن على أي اساس نجتمع وكيف ندير اختلافاتنا وكيف نصل الى قرار ؟ هنا يأتي دور العقد الإجتماعي ... ان الفرد يضع نفسه وقدرته تحت تصرف السلطة التي تختارها الجماعة , بالمقابل فإن السلطة تنفذ الإلتزامات المطلوبة منها تجاه الجماعة وإلا فإنه يحق للجماعة أن تخلع السلطة ... والفرد في المجتمع يهب نفسه للجميع لا لفرد واحد ويظل التحدي ان لا تلغى حريته بإنضمامه للمجتمع , وهذا هو الفرق بين قيادة مجتمع وإخضاع حشد ... بين سلطة ومجتمع وبين سادة وعبيد
    واجمل ما قيل في العقد الإجتماعي هو ما قاله الفيلسوف جان جاك روسو في كتاب العقد الإجتماعي أو مباديء القانون السياسي إذ يقول : يضع كل واحد منا شخصه وكل قدرته موضع إشتراك تحت الإرادة العليا التي للإرادة العامة , ونحن نتقبل كجسم واحد كل عضو كجزء لا يتجزأ من الكل . وهنا يقصد روسو بالإرادة العامة الموجود المعنوي الذي يعبر عن روح الشعب ووحدته وإرادته المشتركة وهو الذي يكون مبتغاه الخير العمومي أو المصلحة المشتركة .
    على ضوء ما تقدم ... ما هو العقد الإجتماعي الذي يجب ان يتحقق في السودان ؟ ما هو العقد الإجتماعي الذي يضمن ان نقبل كل عضو في مجتمعنا كجزء من الكل ؟ لا يمكن ان نجتمع كمسلمين ونصارى ولا دينيين على إقامة مجتمع إسلامي أو مسيحي أو لا ديني ... ولكن من الممكن أن نجتمع في مجتمع يسعى لمصلحة الجميع ولا يحجر على حرية أحد , وهنا يكون المجتمع إنسانيا ... ها هو المجتمع الذي تأملته الفلسفة ودرسته العلوم , ولا مجال فيه لتصنيف المجتمعات الى مسلم وكافر . إن التأسيس لمجتمع كهذا بعقد إجتماعي كاللذي ذكرناه يتطلب ان تنتشر في المجتمع الفلسفة والعلوم الإنسانية مثل على الإجتماع وعلم الأديان المقارن والتاريخ البشري ككل ... إذ لا يمكن لشخص لا يعرف شيئا عن الفلسفة في بلد يمنع فيها تدريس الفلسفة ولا يعرف عن التاريخ الا الجاهلية والخلافة ان يقبل ما تقدمت بذكره , هنا يأتي دور التأسيس لثقافة جديدة ... هنا يأتي دور المثقف العلماني الذي يؤسس للتفكير الحر وللحوار المفتوح , المثقف الذي ينشر علوم التاريخ والإجتماع واللاهوت كعلوم عقلية منفصلة عن الدين ويجعلها جزءا من ثقافة المجتمع .
    القرآن دستورنا , نعم أم لا ؟!
    حين نتحدث عن المجتمع وعن العقد الإجتماعي الذي يجمعنا وعن القوانين التي يجب ان تسود مجتمعنا لا بد ان نصطدم كعلمانيين عاجلا ام اجلا بشعار : الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا هذا هو النص الكامل للشعار الذي وضعه حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين والذي انتقل الى كافة الوان طيف الإسلام السياسي , وطبعا هذ السؤال نتاج البرمجة الثقافية التي تغللت في المجتمع والتي أطرت لمفهوم أن القرآن هو دستور المجتمع المسلم وأنه كلام رباني لا يعقل أن نأخذ كلاما بشريا ونتركه ... هذه العقلية هي التي تنتج سؤال : هل أنت تقبل القرآن كدستور أم ترفضه ؟ والإجابة ليست بالقبول ومحاولة انتاج فهم جديد للقرآن ولا بالرفض ومواجهة التكفير , بل الإجابة المثالية التي يجب أن يجيبها العلماني هي أن نعرف الدستور ونعرف معناه لنكتشف معاً هل يصلح القرآن دستورا ام لا ...
    وخير من شرح هذه المسألة بشكل بسيط ووافي هو الأستاذ حمزة رستناوي في مقال : القرآن ليس دستورا . يقول فيه :
    القرآن الكريم كتاب عقيدة توحيدية يسعى في سبيل الهداية و الاعتبار إن أُحسن فهمهُ, فهو كتاب دين أما الدستور فهو وثيقة تحدّد القواعد الاساسية للدولة و نظام الحكم و اختصاص السلطات.. الخ فالقرآن الكريم يقع في اختصاص الدين أمّا الدستور فيقع في اختصاص السياسة, وفي ذلك يمكن تبيّن العديد من الفروق و الاختلافات بينهما:
    أولا- لغة الوثائق السياسية و القانونية هي لغة توصيفيه دقيقة لا تحتمل المجاز و الاستطرادات و القصص و الايقاع اللغوي, بينما لغة الوثائق العقائدية الدينية بما فيها القرآن تشحذ النفس , تحتفي بالمُدهش العجائبي , ذات جرس موسيقي , غنية المجاز تؤكّد على القيم الاخلاقية عبر اشارات عامة.
    ثانيا- القرآن هو خيار ايماني يقوم على الحرية و الاقتناع و طمأنينة الفرد للمعتقد, بينما الدستور هو مرجعية سياسية توافقية مُجتمعيّة مُلزمة للأفراد والتمثيلات السياسية بعد اقرارها.
    ثالثا- الدستور الحقيقي يساوي بين المواطنين بغض النظر عن عقائدهم و مذاهبهم و طوائفهم في الوطن الواحد , بينما القرآن الكريم يميز بين المؤمنين و غير المؤمنين من أبناء الوطن الواحد, فهناك منافقين و هناك فاسقين و هناك مشركين و هناك أهل الكتاب.. الخ و هذا التميز مفهوم تماما لكونه تمييز على اساس عقائدي, و العقيدة- أي عقيدة- هي بطبيعتها فئوية تقوم على التمييز بين المؤمن و الكافر بها.
    رابعا- النبي محمد بعد أن هاجر الى يثرب وضع ما يسمى تاريخيا بصحيفة المدينة لينظم العلاقة بين المسلمين و غيرهم من قاطني المدينة, و لم يعتمد القرآن كمرجعية ملزمة للجميع, إن لغة وثيقة المدينة هي أقرب الى لغة الدستور و الوثائق السياسية, تحتوي على حقوق و واجبات و التزامات ..الخ و أسلوبها و لغتها لا تشبه القرآن.
    خامسا- في بلد متعدد الطوائف و المذاهب الدينية كلبنان و نيجيريا و ماليزيا مثلا ما هي النتيجة المتوقعة من شعار” الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا “؟! و الاجابة ليست تخمينا او افتراضا بل و يمكن تلمّسها في الواقع و التاريخ القريب.
    سادسا- على سبيل المثال إنّ نظام ولاية الفقيه في ايران, و حزب الله الشيعي في لبنان و مليشيا عصائب أهل الحق في العراق, ليس لديهم أدنى اعتراض على شعار ” الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا” و لكنّهم يفسّرونه بطريقتهم, وفق توظيف سياسي معيّن! و كذلك إنّ كلا من تنظيم الدولة الاسلامية في العراق و الشام و جيش الاسلام و جبهة النصرة ليس لديهم أدنى اعتراض على شعار ” الله غايتنا … الرسول قدوتنا … القرآن دستورنا … الرسول زعيمنا … الجهاد سبيلنا .. والموت في سبيل الله اسمى امانينا ” فماذا كانت النتيجة !!
    سابعا- دستور أي دولة في العالم يحدد طبيعة النظام السياسي فيها , هل هو ملكي ام جمهوري , هل هو شمولي ام ديمقراطي , هل هو رئاسي أم برلماني؟ أنصار نظرية القرآن دستورنا ليس لديهم اجابة في نصوص القرآن على هكذا تساؤلات! و هذا لا يُنقص شأن القرآن بل يُنقص من شأن تفكيرهم . إنّ دستور أي دولة في العالم يحدد أشكال و اختصاص السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية , و لكن أنصار نظرية القرآن دستورنا ليس لديهم أدنى اجابة في نصوص القرآن على هذا السؤال! * إنّ عبارات قرآنية من قبيل ( و أمرهم شورى بينهم ) و ( شاورهم في الأمر) لا تصلح لأن تكون نصوصا دستورية أو قانونية فهل الشورى خاصة بالمسلمين أم جميع المواطنين؟ و هل الشورى ملزمة أو غير ملزمة و ما هي حدود الزامها؟ و من هم الذين يشاوروهم!.. الخ إنّ عبارة ” و شاورهم في الأمر” المُخاطب بها هو النبي محمد و ليس غيره , و هذا كامل سياقها ” فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر”. آل عمران الآية 159 و قد جاءت الآية بمثابة نصائح عامة في السلوك الانساني و أخلاق بعينها. و كذلك عبارة ” و أمرهم شورى بينهم” فسياقها عقائدي ديني يتحدث عن الصلاة و الصدقة …و هذا كامل سياقها ” والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون” الشورى الآية 28 , و قياسا على ذلك فيجب ألا يستغرب جماعة ” القرآن دستورنا ” أن يكون بيت الشعر المنسوب لبشار بن برد: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنْ برأي لبيبٍ أو مشورة حازمِ مادةً دستوريّة كذلك! يمكن أن نتوقّع احد أنصار الاسلام السياسي يجادل في أن الآية التالية ” وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ” المائدة الآية 44 تفيد أن القرآن الكريم هو دستور! و لكن و بإلقاء نظرة سريعة على الآية السابقة لها 43 : ” كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ” نجد أن المُخاطب بها يهود يثرب و ليس جماعة المسلمين اصلا, و قد لا يحتمل هذا المقال الدخول في نقاش تفصيلي حول أمثلة أخرى.
    القول بأنّ القرآن الكريم هو دستور, يعني فهم معيّن للقرآن , و كل فهم هو بشري تاريخي و نسبي, و قد نُسب إلى علي بن ابي طالب قديما القول ” لا تخاصمهم بالقرآن , فإنّ القرآن حمّال أوجه ” و نسب له كذلك القول ” هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ و لا ينطق بل ينطق به الرجال” و مشهور ما حدث في قضيّة التحكيم بين علي و معاوية, و كلاهما يستندان الى ذات المرجعيّة القرآنية! فهل من داع لإدخال القرآن الكريم في سوق المزايدات السياسية, و اعادة انتاج معارك الجمل و صفّين ! *إنّ شعار ” القرآن دستورنا ” هو شعار مُهدّد للسلم الأهلي , كلّ من يطرحهُ و يقوم باستخدامه سياسيا , هو يفترض نفسه الوصي على شؤون القرآن , و هو يحتكر كلمة الله سبحانه و تعالى و يستخدمها في صراعه مع الخصوم و لعبة السلطة, و الأمر أبعد ما يكون عن البراءة و التُقى. و لقد انتبه بعض الاسلاميين المنشقين عن التيار التقليدي للإسلام السياسي لخطورة هكذا شعار و امكانات استثماره سياسيا بشكل سلبي , فألّف السعودي علي الرباعي كتابا بعنوان القرآن ليس دستورا و رأى أنّ رفع شعار( القرآن دستورنا ) هو للمقايضة و المزايدة, فالدستور نتاج عمل بشري بينما القرآن هو كلام الله. و كذلك عبد المنعم ابو الفتوح المنشقّ عن جماعة الاخوان المسلمين ذكر أن «القرآن دستورنا» هو شعار عاطفي وأدبي لا يعبر عن منهجنا في العمل السياسي . إنتهى كلامه
    ان هذا المقال يشرح بشكل مبسط الفروق الرئيسة بين القرآن ككتاب ديني والدستور كوثيقة قانونية , ستجد مثلا من تكون افعاله في قمة الإنسانية وينسب ذلك الى النص القرآني ... وستجد من يرتكب افظع الجرائم الوحشية بإسم النص القرآني , ولكن هل يمكنك أن تأول نص اعلان حقوق الإنسان ليبرر تصرفا اجراميا او انتهاكا لحقوق الإنسان ... بالطبع لا , ذلك لأن النص القانوني لا يحتمل التأويل ... وهذا ليس انتقاصا من القرآن لأنه ليس من المفترض ان يكون نصا قانونيا , فنحن لا ننتقص الخضروات حين نقول انها لا تصلح للإستخدام في الحلويات كما الفواكه . إن السبب الرئيس لهذه الأزمة هي أن ثقافتنا تحمل النص الديني فوق ما يحتمل فتجعله نصا دينيا وقانونيا وعلميا وثقافيا ولا يسمح للعقل ان ينتج فكراً دنيويا بمعزل عن الدين ... بينما أن الحقيقةأن العقل مؤهل أن يتعامل مع الشؤون الدنيوية بشكل مستقل ويكون للدين دوره الذي لا يتداخل مع الأدوار الأخرى , انا مثلا اعمل كطبيب , واعلم ان الطب علم مستقل عن كل الأديان ... فالطب والمرض والعلاج هو نفسه عند المسلم والمسيحي واليهودي والبوذي والوثني واللاديني , وكذلك باقي العلوم الدنيوية كالسياسة والقانون وغيرهما ... إن التعامل مع شاعر (القرآن دستورنا) يتم بتبيين الفرق بين الدين والقانون وتفنيد الثقافة التي تشجع بين الخلط بينهما , فحين يعي المجتمع ان الدستور هو نص قانوني نعود له جميعا على اختلافنا لن نطالب المسيحي ان يعود للقرآن كدستور ولا المسلم أن يعود للإنجيل كدستور ... بل يعود كلاهما وغيرهما لدستور يرتضيه الجيمع ... يساوي بين الجيمع ... يحفظ حريات وحقوق الجميع ... يهدف لمصلحة الجميع
    حد الردة والحرية الدينية
    مريم يحيى , إمرأة سودانية اثارت قضيتها جدلا دوليا واسعا . ولدت لأب مسلم طلق امها وهجرها وهي صغيرة ... فتربت في كنف اسرتها المسيحية على الديانة المسيحية وتزوجت رجلا مسيحيا في الكنيسة وانجبت طفلها الأول وحبلت بطفلها الثاني قبل ان تفاجأ بدعوى قضائية مرفوعة عليها , اخوتها من ابيها رفعوا عليها دعوى بتهمة الردة ! والقاضي رمى بحق حرية العقيدة في الدستور عرض الحائط وحكم عليها ان ان تقتل بحد الردة او ان تتوب وتجلد بحد الزنا ثم يفرق بينها وبين زوجها ! حتى أن اخوها رافع الدعوى سألته المذيعة هن كيف ترضى إنسانيتك أن تكون السبب في موت اختك ؟ فأجاب : لماذا ارضي إنسانيتي وأغضب ربي !
    لا الومه , ولكن اشفق عليه ... لأنه اسير ثقافة مجتمع مفادها ان ما يريده الإله قد يكون احيانا ضد إنسانيتنا وعقولنا واصوات ضمائرنا , كان السؤال المطروح وقتها : هل حد الردة اصل في الدين الإسلامي ؟ كتبت مقالا وقتها بعنوان : حرية الردة . اليكم مقتطفات منه :
    افتتح بسؤال : هل الإسلام يأمر بقتل المرتد ?!
    قال الله تعالى في محكم آياته :
    (لا إكراه في الدين)
    (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
    (لست عليهم بمسيطر)
    (ﻭﻟﻮ ﺷﺎﺀ ﺭﺑﻚ ﻵﻣﻦ ﻣﻦ ﻓﻲ ﺍﻷﺭﺽ ﻛﻠﻬﻢ ﺟﻤﻴﻌﺎ ﺃﻓﺄﻧﺖ ﺗﻜﺮﻩ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺣﺘﻰ
    ﻳﻜﻮﻧﻮﺍ ﻣﺆﻣﻨﻴن)
    كل هذه الآيات المحكمات الواضحات يقابلها حديث : (من بدل دينه فإقتلوه) وهو حديث صحيح
    السنة لا تخالف القرآن الكريم ولكن فهمنا للسنة هو الإشكال , هذا الحديث قاله الرسول صلى الله عليه وسلم بسبب مكيدة كادها اليهود للمسلمين ... قال تعالى : (ﻭﻗﺎﻟﺖ ﻃﺎﺋﻔﺔ ﻣﻦ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﺑﺎﻟﺬﻱ ﺃﻧﺰﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺁﻣﻨﻮﺍ ﻭﺟﻪ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ ﻭﺍﻛﻔﺮﻭﺍ ﺁﺧﺮﻩ ﻟﻌﻠﻬﻢ ﻳﺮﺟﻌﻮﻥ)
    خطط اليهود أن يظهروا الإيمان برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار ويكفروا آخر ويهدفون بعبثهم هذا أن يرتاب الناس في دينهم لذا قال المصطفى بهذا القول ليقطع دابر هذه المكيدة
    وإسأل نفسك : لماذا لم يقتل عبد الله بن ابي السرح رضي الله عنه حين إرتد ؟
    والى من يؤمنون بحد الردة ويطالبون بتطبيقه لنناقش بعض المسائل :
    هل نقتل المرتد لو كان اجنبيآ أو لديه جواز سفر أجنبي كالجواز الأمريكي مثلآ أم نقتل فقط المرتد الذي لا ظهر له يحميه ?!
    لو ارتد شخص ما وسافر وإحتمى الى دولة أجنبية , هل نطارده ونقتله هناك أم نطالب بتسليمه لنقتله هنا ?!
    لو قررت دولة فيها أقلية مسلمة قتل من بدل دينه للإسلام , هل نعترض لأن قتل المرتد حق لنا وحدنا ?!
    في دولة فيها أكثر من ديانة حين نرحب بمن أسلم ونقتل من ارتد هل هذا من العدالة والحكمة ?! وأليس من حق الديانة الأخرى أن يطالبوا بحماية من اعتنق ديانتهم ?!
    ماذا سيستفيد الإسلام من أن يظهر المرتدون الإسلام خوفآ من القتل ?!
    كان هذا جزءا من المقال , والحمد لله بعد ضغوط دولية تم تسفير مريم الى خارج السودان وهي الآن في مكان يحترمها بإنسانيتها ويصون حريتها الدينية ... ولكن قضية الحرية الدينية وحد الردة لا يكفي مناقشتها عقديا فقط ... فالمؤيد له اياته واحاديثه وتفسيراته واستنباطاته وكذلك المعارض , إذا ما الحل ؟
    الحل هو أن نحسم قضايانا من ناحية عقلانية ومنطقية , وعلى صاحب الرأي المخالف ان يخرج نفسه من مأزق أن رأيه في الدين يخالف العقل ... ولن يكون هذا مأزقا الا في مجتمع يقدر العقل حق قدره , وهنا أحيلكم الى رسالة الفيلسوف جون لوك في التسامح , كتب جون لوك رسالته عن التسامح الديني في عز الإقتتال الطائفي في الديانة المسيحية , إستدل فيها بأفعال المسيح وكيف تعامل مع اعداءه ... ولكن اهم جزء في رسالته بالنسبة لي هو انه اسس لنقطتين مهمتين :
    الأولى : ان جون لوك فصل بين السلطة المدنية والسلطة الروحية , فالسلطة الروحية هدفها خلاصك الروحي , والخلاص الروحي قائم على الإقتناع ... بمعنى ان السلطة الروحية كالكنيسة مثلا لو اجبرتك على شيء ما ولم تكن مقتنعا به فإن خلاصك الروحي لن يتحقق , وبالتالي فلا جدوى من إجبارك تحت اي مسمى وبأي سلطة , وبالتالي لا بد من الفصل بين السلطة المدنية التي تحفظ لك حقوقك المدنية وبين السلطة الدينية التي لا بد ان تنبع من اقتناعك الذاتي , وحقوقك المدنية وواجبات الدولة تجاهك يجب ان لا تتغير بعض النظر عن علاقتك بالسلطة الدينية ... فهذا فضاءان مستقلان عن بعضهما .
    الثانية : ان جون لوك وضح بما لا يدع مجالا للشك ان الطريق الى الجنة وهو غاية السلطة الدينية هو العقل , فإما ان يكون دين الله الحق موافقا للعقل وبالتالي سيدخل الجنة العقلاء ... وإما ان يكون منافيا للعقل وبالتالي يكون دخول الجنة بالتوريث وهذا ينفي عن الإله العدالة والإله خير مطلق .
    لننطلق من فلسفة جون لوك ونناقش حد الردة بشكل عقلاني بدون وصاية دينية ...
    هل من المنطق أن نقتل مسلما قد غير دينه تحت مسمى حد الردة ؟ ان من يولد في اسرة مسلمة لا يختار الإسلام بل يتلقاه من اسرته , لذا لا يمكن ان نقتله بحجة أنك إخترت الإسلام فإرادته الحرة هنا وهم إخترعناه ونحاسبه عليه ... فمن يولد في اسرة مسلمة يكون مسلما وكذلك المسيحي واليهودي والبوذي وغيرهم من اصحاب الديانات الأخرى , قد يحتج احدهم ويقول نطبق الحد على غير المسلم الذي دخل الإسلام ثم اراد ان يتركه ... هنا سندخل في معضلة منطقية اخرى , وهي ان التدين قبل ان يكون ظاهرة اجتماعية فهو قناعة شخصية ... فقتل شخص ما لأنه اراد تغيير دينه لا يكون عقلانيا او منطقيا الا اذا عرف هذا الشخص كل ديانات وطوائف الأرض وكل التطورات والإكتشافات المستقبلية التي قد تقربه من الدين او تبعده عنه , لكن طالما ان التدين اقتناع فلا يجب ابدا ممارسة الوصاية الدينية على قناعات الآخرين ودفعهم نحو منافقة المجتمع خوفا على حياتهم
    إن التأسيس للحرية الدينية هو حجر الأساس لبناء مجتمع حر والتخلص من ظاهرة (الإله بالإنابة) في مجتمعاتنا , إننا في السودان إبتلينا بمن اضطهدوا السودانيين واذلوهم والبوهم على بعضهم وقسموهم بإسم الإله , فعلوا كل ذلك بحجة انهم رجال الإله الحاكمون بشرعه المنفذون لأمره المعطون بفضله المانعون بحكمه المعاقبون الزاجرون بقوته وجبروته ... فصاروا الهة بالإنابة ... وقد فعلوا ذلك بفكر جامد فوق النقد تحميه السجون والسياط والبنادق , ولا طريق نحو العلماني الا بفكاك العقل النقدي من قيوده وان تنهض العلوم الدنيوية كالفلسفة والسياسية والإقتصاد وعلم الأديان المقارن وأن يتدارسها مثقفونا وينشروها وأن تكون جزءا من ثقافة المجتمع فيحققوا رسالتهم ويصلوا الى مبتغاهم ... لكي نؤسس لمجتمع يقبل الجميع لا بد ان يكون المجال متاحا للجميع ان يفكروا ويعبروا من اي منطلق كان طالما ان الهدف هو مصلحة الوطن ... ولكي نثبت عقلانية الدين لا بد ان تضمن حرية العقل ولكي نثبت صلاحية الدين لا بد ان لا يتعارض الدين مع مصلحة المجتمع فهل رغبة الإله ورضاه ضد الحريات ؟ ضد العقلانية ؟ ضد مصلحة الوطن ؟
    واعلم ان الكتابة من وراء الشاشة سهل وبسيط , واعلم ان القمع الفكري الذي نعيشه والبيئة الثقافية التي تحاصرنا تزيد المشوار طولا والقضية صعوبة وتعقيدا ... ولكن لا خيار لنا الا هذا الطريق الشائك نحو علمنة المجتمع , والبنيان الراسخ يتطلب بناؤه وقتا ومجهودا ... واذكركم بمقولة الدكتور فرج فودة التي تصف حالنا إذ يقول :
    هى غمة ستنزاح......
    وهو مأزق تاريخي سوف نعبره بأذن الله..
    وهى ردة حضارية سوف نتجاوزها دون شك..
    وهو اختبار لشجاعة الشرفاء وانتهازية الجبناء...
    وهو قدر البعض أن يتحدى الجميع...من أجل الجميع..
    وهكذا كان....
    وهكذا –في تقديري –ما يجب أن يكون.”
     

مشاركة هذه الصفحة