الثورة تتداعي

الفاتح خليفة

:: كاتب نشـــط::
#1
. (١)
العنوان مقتبس من الرواية الشهيرة (الاشياء تتداعي) للكاتب النيجيري أتشيبي علي ان تشيبي نفسه يقول انه استلهم عنوان روايته من قصيدة لويليام ييتس بعنوان "العودة الثانية"، والتي قال فيها: “الصقر يحوقل، يحوقل في الدائرة الواسعة
ولا يصغي لسيده
الأشياء تتداعى، المركز لا يصمد
لا شيء عدا الفوضى تروم العالم
وهيبة البراءة غريقة في كل مكان
. (٢)
ما ان تسملت الحكومة المدنية مهامها الدستورية في اغسطس الماضي حتي بدأ نسج خيوط التآمر بشكلٍ جليٍّ في المشهد الشعبوي بدءً بحشد الدعم لحكومة حمدوك بشكل مرتب يهدف الي انتزاعه من حاضتنه السياسية (الحرية والتغيير) وقد اصطف بادئ ذي بدء كل الوان الطيف السياسي والقطاعات الشعبية المختلفة بما فيها الكيزان في عملية الدعم السياسي الماكر لحمدوك لاغراض مرسومة تستصحب معها احداث الفجوة والشرخ بين مكونات الحركة الثورية التي يحتم عليها العمل علي نسق متناغم بما يشترطه نجاح اي ثورة شعبية متماسكة الاركان وذلك شرط حتمي لبلوغ اهداف الثورة وغاياتها المرتجاه ، ثم ما لبثت الاوضاع تتجه الي تصوير الاحداث بمنظار التفريق بين تجمع المهنيين ولجان المقاومة من جهة وسائر الحرية والتغيير من جهة اخري بالتشكيك في الاخير مقابل دعم الاول ثم الانقلاب عليهما بوضع الحرية والتغيير والتجمع في مركب واحد ودق اسفين بينها وبين سائر الثوار واخيراً توجيه اللعنة اجمالاً علي كامل ممثلي الحركة الثورية السودانية بما فيها حمدوك الذي صمد في خانة التقديس لاشهر معدودة حتي طالته يد التجريف والتعري
. (٣)
استطاعت زيول المخابرات العالمية وزعانف المحاور الاقليمة المتقاطعة ان تغرس انيابها في جسد الثورة السودانية منذ الحادي عشر من ابريل ٢٠١٩ بقوة وشراهة يحسد عليهما كأنها تمارس سخائم التشفي والانتقام لعدوٍ مبينٍ طال اوان القصاص بحقه والثأر عليه ، وقد استطاعت هذه الاشباح الاجنبية التي تمشي بيننا وتقبع في سفاراتها والمنظمات والفنادق ذات النجوم ان تفتت عضد اللحمة الجماهيرية الثورية بشكل جزئي عبر وكلائها الوطنيين خاصة من الناشطين ذوي المطامح الذاتية الذائدة الذين رأوا ان ثورة ديسمبر المجيدة لم تلبي رغائبهم ووسعت قحت هوّة الشقاق بينها وبين الاخرين فلم تتحسس (قحت) وهي تتهيأ لاعتلاء كابينة القيادة عن اليمين وعن الشمال عزين لتستجمع الغنم القاصية وتسد زرائعه من ضواري الذئاب ، انما يأكل الذئب من الغنم القاصية .. كثيرون منا يفترض ان الميل القلبي نحو الانتهازية والنرجسية وطبائع الاستبداد في الخطاب خصلةٌ حصرية للكيزان وهو بطبيعة الحال افتراض خاطئ جسيم تقع فيه جماهير الثورة وهم تحت وطأة الحواس المحتشدة نحو كراهية الكيزان المستحقة مثلهم كمثل وتر القوس المشدود التي يغمض له عين لتتوجه العين الاخري للتدقيق نحو صدر الصيد دون التفات او حتي مجرد الغمضة التي تخلل الانتباهة . ومهما ادعي هؤلاء الناشطون اصحاب(اللايفات) الاسفيرية الحرص علي اهداف الثورة وتحقيق غاياتها السامية ولكن خطاب الكراهية والتشكيك في الحكومة المدنية وحواضنها السياسية والشعبية لا تخرج من اطار التشفي والانتقام وتأسيس سلالم الصعود علي الاطلال المرتقبة بفعل معاول الهدم والتجديف العكسي ، ولا يمكن تصور اي سيناريو يمكن ان يتأسس علي ذلك الخطاب اطلاقاً سوي فتح المجال علي اوسع الابواب لتمكين العسكر بمبررات انقاذ البلاد من الفوضي وما الي هنالك من زرائع اكتملت اركانها الان علي الاصعدة الاقتصادية والمعيشية والامنية وبمشاركة ثائرين ظلوا السنوات الطوال من عمر النظام البائد ضد السباحة عكس تيار الثورة
. (٤)
ومما يؤسف له حقاً في سياق ما نحن بصدده الان هو التداعي نحو التفاعل بالفعل ورد الفعل حول التطبيع مع اسرائيل كقضية أمر واقع جري فرض السجالات بشأنه فرضاً لتتجه الافكار والانظار نحو المسألة كمبدأ وكقضية تشغل بال القوم الثائرين ، علي ان القضية المحورية التي يجب ان تشغل بال قومي وجوباً في هذه اللحظة التاريخية الحساسة ، هي ما اقدم عليه الجنرال عبد الفتاح البرهان الذي تقمص عباءة الزعيم الاوحد وجعل من ذاته الديكتاورية ومن بزته العسكرية ومن مجلسه السيادي الشمولي قيوم السموات والارض السودانية وديّٓان ثورتها الشعبية الظافرة ، وذلك مؤشر -لو تعلمون- خطير وينزر بشرٍّ مستطير يستهدف اتنشال العسكر من وهدتها التي وضعته فيها ثورة ديسمبر المجيدة والامساك بيديهم لتنفيذ سيناريو مرسوم بدقة متناهية تتهيأ له اسباب النفور من الشق المدني في الحكومة بخلق ازامات تتفاقم يوما بعد يوم بالتوازي مع صناعة المنقذ المفترض ، تبياً للرحمة وقاهراً للمستخيل
وكلنا رأي من قبلُ كيف ان مجلس البرهان العسكري الانقلابي المحلول عقد عزمه عقداً مغلظأ بالاستيلاء كامل السلطة وارتكب من اجله المجازر البشعة في ساحة الاعتصام قرباناً الي شيطانه الوسواس الذي بشره ببلوغ هدفه بالقوة المفرطة والاذلال المهين ليطل متهادياً من فوق جثامين الشهداء ويمزغ كل اوراق التفاوض مع المدنيين وظلوا حتي عشية الثلاثين من يوليو يغردون لنا بأنكر سيمفونات الكذب والنفاق والانكار والمكابرة والتدليس وقد جري الان استئناف ذاات السينفونيا السمج البئيس وذات الخطاب الكئيب التعييس الذي يصدر عشية يومه علي قول وينفيه قبل ضحي الغد
. (٥)
ما تحيكه خفافيش الظلام العربية والاجنبية لا تخطئه عين ، واما الجنرال البرهان وصحبه الانقلابيين من العسكر واشباه العسكر يمثلون البيئة الخصبة المواتية لتنفيذ دور الوكلاء الطائعين ليس لان ذلك يلامس نزعاتهم السلطوية الشرهة فحسب بل لانه يوفر لهم طوقاً يمكنهم من الافلات من القصاص والثأر مما كسبت ايديهم وربما عفواً عن كثير
ولما علمت بابا امريكا ان (صفقة القرن) التي طبخها ترامب بليل ليقدمها لصديقه نتنياهو علي طبق من ذهب من اجل انقاذه من حالة السخط والكراهية وتهم الفساد والملاحقات الجنائية ، قد باتت تجارة كاسدة ولم تجد تأييداً حتي من حلفاءه المقربين وان الانتخابات النيابية التي تهدد عرش نتنياهو باتت بعد فراسخ اسبوعية ، كان الجنرال السوداني خير وسيلة لتعزيز الموقف وهل من وسيلة تصلح للعبة الامم اكثر من جنرال تم تجريده من المؤسسات وانتزاعه من الاستشاريين ، خالي الوفاض من الخبرة السياسية ولا تسند ظهره ايٍّ من هياكل الحكم المتخصصة التي تدرس وتخطط وتهيئ لمثل هذه الامور الاستراتيجية وترفد قائده بخارطةً للطريق الذي يجب ان يسلكه بحنكة ودراية ووعي واجهزة التشريع وغيرها من المؤسسات التي تُعني وتتصل وتهيئ اتجاهات الراي العام ولكن لا وقت لحالة الانتكاسة المرضية التي تعاني منها صقفة القرن للتعامل الزرين المتمهل ولا مجال امام معالجة الاوضاع سوي اساطين (الجوبيك) وجنرالات (الجوكية) ولا يكلفهم ذلك سوي اختطافهم وسلب ارادتهم وتعبئة طاقاتهم بالعبارات الرنانة الفضفاضة التي تدغدغ المشاعر وتعزف علي اوتار الآمال الوردية علي شاكلة (عملاً بمسئوليتي لتحقيق المصالح العليا لشعب السودان وانتشاله من حضيض الازمة المعيشية
 
أعلى أسفل